الحمد لله هادي من استهداه، ومُجيب مَن دَعَاه، أحمده - سبحانه - وأشكره على جزيل ما أفضَلَ وكريم ما أعطاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله غيره ولا ربَّ لنا سواه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله ومُصطفاه ومُجتَبَاه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه مِمَّن هَاجَرَ معه ونَصَرَه وآوَاه، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ واقتَفَى أَثَرَه واتَّبَع هُداه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، دائمًا أبدًا لا حدَّ لمُنتَهَاه.
أما بعد، أيها المسلمون:
الفَظُّ الغليظُ العنيفُ يشقُّ على الناس صحبتُه، وتثقُلُ على ذوي المروءات مُعاشَرَتُه، ينفِرُ منه الآخرون ولو كثُرَت فضائِلُه ورُجِيت فَوَاضِلُه؛ بل لعلهم لا يُبالُون ما يفوتُهُم من منافِعِه؛ ذلكم أن «مَنْ حُرِم الرفق فَهُو المحرُوم» ؛ كما صحَّ في الحديث.
ناهِيكُم بقاصر المعرفة ومحدود الإدراك الذي يظنُّ الرفق ذِلَّةً، والرحمةَ ضعفًا، والأناة كسلًا، والمُداراة نفاقًا، واللُّطف غفلةً؛ بل ربما ظنَّ الفَظَاظَة رجولةً وحزمًا، والتشدُّد تمسُّكًا والتزامًا، وهل هذا إلا الانقلابُ في المفاهيم، وغلظٌ في الفهم، وغلطٌ في الإدراك.
وقد قال أبو الدرداء - رضي الله عنه - وقد سَمِعَ من رجل كلامًا قاسيًا: «يا هذا! لا تغرقْ في سبِّنا، ودَعْ للصلح موضعًا؛ فإنَّا لا نُكافِئ من عَصَى اللهَ فِينا بأكثرَ من أنْ نطيعَ الله فيه» .
وشتم رجلٌ الشعبِيَّ - رحمه الله - فقال الشعبي: «إنْ كنتُ كما قلتَ فغَفَرَ الله لي، وإِنْ لم أكنْ كما قلتَ فغفرَ الله لك» .
نعم - حفظكم الله -؛ الرفقُ يُحمَل على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكفّ الأذى والأناة وعدم الطيش، كم فات من سبل النجاح والفلاح على أهل العنف والطيش والعجلة؟!