وعنه - رضي الله عنه - قال: كنتُ أمشِي معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُرْدٌ غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجَذَبَهُ جذبةً شديدةً حتى نظرتُ إلى صفحةِ عاتِقِ رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - وقد أثَّرَتْ بها حاشيةِ البردِ من شدة جذْبتِه، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مالِ اللهِ الذي عندَك؛ فالتفتَ رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلم - وضحِكَ، وأمرَ له بعطاءٍ»؛ أخرجه البخاري.
أيها المسلمون:
الرفقُ سلوكٌ كريمٌ في القول والعمل، وتوسُّطٌ في المواقف، واعتدالٌ وتوافق، واختيارٌ للأسهل والألطف، ليس للرفق حدودٌ تُضيِّقه، ولا مجالات تحصُرُه؛ بل هو مطلوبٌ في كل الشئون والأحوال وفي الحياة كلها، وفي شأن المسلم كله، يأتي في مقدمة ذلك: المطلوبات الشرعية؛ فربنا - عزَّ شأنُه - رفيقٌ بخلقه، رؤوفٌ بعباده، كريمٌ في عفوه، رفيقٌ في أمره ونهيِهِ، لا يأخذ عبادَه بالتكاليف الشاقَّة: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] ، {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .
وتأتي الصلاةُ - وهي عمود الإسلام وأمُّ التكاليف - خَفَّف فيها نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من أجل بكاء الصبيِّ خشيةَ أن تفتَتِن أمه؛ متفق عليه.
وقال - عليه الصلاة والسلام: «إذَا صلَّى أحدُكُم للناسِ فلْيُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ وذا الحاجة» ؛ رواه مسلم.
وقال: «ليسَ من البرِّ الصيامُ في السفر» ، وفي عبادَاتِكُم كلِّها: «سدِّدُوا وقارِبُوا» ، و «خُذُوا من الأعمالِ ما تطِيقُون؛ فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا» .