فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17678 من 67893

يبدو أن الغزالي قد أدرك أهمية اللغة في إبداع النظام التواصلي، إذ أن الإنسان يكيّف تعامله مع الواقع الخارجي، من خلال كفاءته العقلية التي تسمح له بابتكار النمط الترميزي الدال وفق التصور الحسي، وما يوفره المحيط الاجتماعي من إشارات ورموز ترتبط بعالم الأشياء المحسوسة. وقد أصبح هذا التصور لعالم الأشياء محورًا أساسيًا في النظرية الدلالية الإحالية التي جاء بها ريتشاردز، ( Richards) ، وأوجدن ( Ogden) في مؤلفهما ( The meaning of meaning) ، أي: معنى المعنى، والذي أصدره سنة 1923م، حيث أشارا إلى أهمية التحليل المزدوج الذي يتناول العلاقة بين الألفاظ والأفكار من جهة، والأشياء المشار إليها من جهة ثانية.

وقد أوجزا فكرتهما في شكل مثلث، اشتهر في الدراسات الدلالية (27) .

-الرمز: هو الدال، ويأتي كلمة مكتوبة أو منطوقة، تتألف من مجموعة وحدات صوتية. وهو يقابل اللفظ في التراث، ويقابل الدال عند دوسوسير. والعلاقة بين الرمز والمرجع علاقة غير معللة وغير مباشرة، ولا تتم إلا من خلال جانبي المثلث أي: المرجع-الفكرة-الرمز.

-الفكرة (المفهوم) : وهي الصورة الذهنية التي تتراءى من خلال الدال، والفكرة تقابل المعنى أو المدلول عند دوسوسير. والعلاقة بين الرمز والفكرة هي علاقة سببية، أي أن الفكرة هي العلة في وجود الرمز.

-المرجع: وهو الواقع الخارجي (المشار إليه) الموجود في الأعيان. وهذا لا وجود له عند دوسوسير. ويقابل المشار إليه في تعريف أوجدن وريتشاردز.

فالعلاقة بين الموجود في الألفاظ (الرمز) ، والموجود في الأذهان (الفكرة) علاقة سببية، أي: أن الدال يتطلب في ذهن المتلقي المدلول، كما أن المدلول يتطلب هو الآخر في ذهن المتكلم الدال الملازم له، لذلك فإن المفاهيم المستوحاة من المرجع الخارجي قابلة لأن تكون مشتركة بين أفراد المجتمع، بينما هذه الخاصية تفتقر إليها الموجودات في الألفاظ (الدوال) وارتباطها بالمدلولات؛ لأنها تواضعية اصطلاحية. وقد ذكر ذلك الغزالي بصريح قوله:"الموجود في الأعيان والأذهان لا يختلف باختلاف البلاد والأمم بخلاف الألفاظ والكتابة، فإنهما دالتان بالوضع والاصطلاح" (28) .

نجد هذا المفهوم للعلامة بأطرافها المذكورة عند حازم القرطاجني، حيث يقول:"قد تبين أن المعاني لها حقائق موجودة في الأعيان، ولها صور موجودة في الأذهان ولها من جهة على ما يدل على تلك الصور من الألفاظ وجود في الأفهام والأذهان" (29) . وتبعًا لهذه الرؤية، فإن كل العلامات تدرك من خلال تلك المستويات الثلاثة. ولهذا فإن المدلول هو معنى الإشارة، أي: أنه يمثل العلاقة الأفقية بين إشارة وأخرى. وهذا هو الذي يجعل المدلول إشارة أيضًا تحتاج إلى مدلول آخر يفسر غموضها ويزيح إبْهامها.

إن المعاني، بوصفها مدلولًا تدل على العلامات اللغوية، هي فيما يذهب إليه حازم القرطاجني"الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان" (30) . وهذه الصور الحاصلة في الأذهان (المفاهيم الذهنية) ليست إلا محصلة لعملية إدراك الواقع الخارجي، وليست العلامات اللغوية إلا عبارة عن هذه الصور الذهنية المدركة. من هنا تتساوى العلامات المنطوقة بالعلامات المكتوبة، أي: أن الألفاظ تتحول في الذهن إلى مجموعة من الصور والمفاهيم. وبعبارة أخرى تتحول من وجود عيني محسوس إلى وجود ذهني متخيل، ثم تتحول من هذا الوجود الذهني المتخيل إلى معان صوتية، فرموز كتابية. يقول حازم القرطاجني:"كل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدرك منه، فإذا عبر عن تلك الصور الذهنية الحاصلة عن الإدراك، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ. فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ لمن لم يتهيأ لها سمعها من المتلفظ بها، صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ، فتقوم بها في الأذهان صور المعاني، فيكون لها أيضًا وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليه" (31) .

إن ما قدمه القرطاجني في هذا النص يقيم العلاقة بين الدلالات الصوتية والرموز الكتابية على أساس من الترابط الدلالي، حيث تجسد الرموز الكتابية هيئات الألفاظ في الأفهام. فإذا قامت هيئات الألفاظ في الأفهام تطلبت واستدعت الصورة الذهنية. والصورة الذهنية تشير بدورها إلى المدركات العينية الخارجية. وهكذا تجد العلاقات الدلالية قائمة على الترابط بين كل طرفين. وهذه العلاقات الدلالية عند القرطاجني يمكن تمثلها على النحو الآتي:

-الرموز الكتابية (دال) f الصورة السمعية للألفاظ (مدلول) .

-الصورة السمعية للألفاظ (دال) f الصورة الذهنية (مدلول) .

-الصورة الذهنية (دال) f الأعيان المدركة (مدلول) .

وترى أن كل مدلول يصير بدوره دالًا؛ فالصورة السمعية للألفاظ تكون مدلولًا في علاقتها بالرموز الكتابية، ولكنها تصير دالًا في علاقتها بالصور الذهنية. والصور الذهنية تكون مدلولًا في علاقتها بالصورة السمعية، ولكنها تتحول إلى دال في علاقتها بالمدركات العينية الخارجية.

يتبع ....

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت