أما الأول: فقد استفاض في أخبارهم عن الصادق - عليه السلام - عن هذه المناكحة فقال: إنه أول فرج غصبناه.
وتفصيل هذا أن الخلافة قد كانت أعز على أمير المؤمنين من الأولاد والأزواج والأموال [1] ، وذلك لأن بها انتظام الدين وإتمام السنة ورفع الجور وإحياء الحق وموت الباطل، وجميع فوائد الدنيا والآخرة، فإذا لم يقدر على الدفع عن مثل هذا الأمر الجليل الذي ما تمكن من الدفع عنه زمان معاوية وقد بذل عليه الأرواح وسفك فيه المهج، حتى إنه قتل لأجله ستين ألفًا في معركة صفين وقتل من عسكره عشرون ألفًا، وواقعة الطفوف أشهر من أن تذكر، فإذا قبلنا منه العذر في ترك هذا الأمر الجليل فقد كان معذورًا كما سيأتي الكلام فيه عند ذكر أسباب تقاعده عليه السلام عن الحرب زمان الثلاثة ... والتقية باب فتحه الله سبحانه للعباد وأمرهم بارتكابه وألزمهم به [2] كما أوجب عليه الصلاة والصيام حتى أن ورد عن الأئمة الطاهرين - عليهم السلام: لا دين لمن لا تقيّة له، فقبل عذره - عليه السلام - في مثل هذا الأمر الجزئي، وذلك أنه قد روى الكليني عن ابن أبي عمير عن شام بن سالم عن أبي بعد الله عليه السلام قال: لما خطب إليه، قال له أمير المؤمنين - عليه السلام: إنها صبية، قال: فلقي العباس فقال له: ما لي أبي بأس، قال: وما ذاك، قال: خطب إلى ابن أخيك فردني أما والله لأعودنا زمزم ولا أدع لكم مكرمةً إلا هدمتها ولأقيمن عليها شاهدين بأنه سرق ولأقطعن يمينه، فأتاه العباس وأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه فجعل إليه.
(1) كفى بهذا الأمر منقصة وازدراء بعلي - رضي الله عنه -، فالرجل العادي لا يرضى بأن يدنس عرضه.
(2) { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا } .