فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 490

فصل المرتبة الثامنة: مرتبة الإسماع. قال الله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللََّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (23) [الأنفال] ، وقال تعالى: {وَمََا يَسْتَوِي الْأَعْمى ََ وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمََاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمََا يَسْتَوِي الْأَحْيََاءُ وَلَا الْأَمْوََاتُ إِنَّ اللََّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشََاءُ وَمََا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلََّا نَذِيرٌ} (23) [فاطر: 2319] ، وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ، فإن ذلك حاصل لهم، وبه قامت الحجة عليهم، لكن ذاك إسماع الآذان، وهذا إسماع القلوب، فإن الكلام له لفظ ومعنى، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما. فسماع لفظه حظ الآذان، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب، فإنه سبحانه نفي عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله تعالى: {مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لََاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 32] ، وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه، أو تمكنه منها. وأما مقصود السماع وثمرته والمطلوب منه فلا يحصل مع لهو القلب

وغفلته وإعراضه، بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه: {مََا ذََا قََالَ آنِفًا أُولََئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللََّهُ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ} [محمد: 16] .

والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام: أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن ومرتبة الإفهام أعم. فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه، ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر، وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه وتعلقاته وإشاراته، ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب ويترتب على هذا السماع سماع القبول.

فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة.

فصل المرتبة التاسعة: مرتبة الإلهام. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمََا سَوََّاهََا (7) فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَتَقْوََاهََا}

[الشمس: 87] ، وقال النبي لحصين بن منذر الخزاعي لما أسلم: «اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» [1] .

وقد جعل صاحب المنازل بين: «الإلهام» هو مقام المحدثين. قال: وهو فوق مقام الفراسة، لأن الفراسة ربما وقعت نادرة، واستصعبت على صاحبها وقتا، أو استعصت عليه، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد.

قلت: التحديث أخص من الإلهام، فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم، فكل مؤمن قد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان. فأما التحديث: فالنبي (قال فيه: «إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر» [2] يعني من المتحدثين. فالتحديث إلهام خاص، هو الوحي إلى غير الأنبياء إما من المكلفين، كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنََا إِلى ََ أُمِّ مُوسى ََ أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:

7]، وقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوََارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111] وإما من غير المكلفين، كقوله تعالى: {وَأَوْحى ََ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبََالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمََّا يَعْرِشُونَ}

[النحل: 68] ، فهذا كله وحي إلهام.

فصل قال: وهو على ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: نبأ يقع وحيا قاطعا مقرونا بسماع. إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن.

(1) الترمذي (3483) في الدعوات، باب: (70) وقال: «غريب» .

(2) سبق تخريجه ص (5) رقم (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت