وجيب كل ربع وأنشد: «وقد دخل صبري بعد إنّ في خبر كان [1] » : [من البسيط]
دمع جرى فقضى في الربع ما وجب
ووقفت أندب عرصاتها التي قمحت بالبين فخابت [2] من أهلها الظنون، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النار فلم تسلم فصدّقت المثل بأنّ «القمح يدور ويجيء إلى الطاحون» ، وتطرّقت بعد ذلك إلى الحدّادين وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد، {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [3] . ولقد كان يوم حريقها {يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [4] ضج [5]
المسلمون فيه من الخيفة وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا. هذا وكلما أصليت نار الحريق وشبت نار الحرب، ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر فأنشدت من شدة الكرب: [من الكامل]
آها لمصر أين مصر وكيف لي ... بديار مصر مراتعا وملاعبا
والدهر سلم كيفما حاولته ... لا مثل دهري في دمشق محاربا
يا مولانا لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد، وطبخت قلوب أهلها كما تقدم على نارين وسلقوا من الأسنّة بألسنة حداد، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة لغاديه، وكم رئي في ذلك اليوم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} [6] خََاشِعَةٌ، عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ، تَصْلى ََ نََارًا حََامِيَةً [7] . وكم رجل تلا عند لهيب بيته {تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ} [8] ، وخرج هاربا {وَامْرَأَتُهُ حَمََّالَةَ الْحَطَبِ} ، وشكا الناس من شدة الوهج وهم في الشتاء وصاروا من هذا الأمر يتعجبون، فقال لهم لسان النار: «أيعجب من الوهج والحريق من هو في كانون؟» ، ولعمري لو عاش ابن نباته ورأى هذا الحال، وما تم على أهل دمشق في كانون لترك رثاء ولده عبد الرحيم وقال: [من البسيط]
(1) بعد إن في خبر كان: قا: بعد ان كان في خير كان.
(2) فخابت: تو: فحانت ق: فخافت.
(3) سورة الكهف 18/ 96
(4) سورة الانسان 76/ 10.
(5) ضج: ق: جنح.
(6) يومئذ: ساقط من تو، نب.
(7) سورة الغاشية 88/ 32.
(8) سورة المسد 111/ 1.