كل من ابن خالويه وأبى على في الاحتجاج بالمنافسة التى كانت بينهما، لسبب قريب: هو أنى لست أعرف على التحديد أى الرجلين سبق بالتأليف في الاحتجاج ولو كنت أعرف شيئا من ذلك لكان من المرجح عندى أن المتأخر منهما في الاحتجاج نافس المتقدم، ولكن هذا غير مستبين، فالقول به ضرب.
من إرسال الكلام إرسالا لا يقوم على بيّنة، ولا ينهض به دليل.
على أن هناك خيطا دقيقا أستطيع أن أمسك به، للاهتداء في هذه المسألة، فابن جنى في كتابه المحتسب يقرر أن أبا على لم يكن واضح العبارة في كتابه الحجة، وأن ذلك كان سببا في بعد القراء عنه، وعدم الفهم له، وأن ابن جنى من أجل ذلك قد تخفف في عبارته تخففا يجعل كتابه قريبا من أفهام القراء، حبيبا إلى منهجهم الذى ألفوه: أسلوبا، واختصارا، ووضوحا [1] .
وابن خالويه في مقدمة كتابه الحجة يومئ إيماء خفيا إلى هذا الذى ذكره ابن جنى، فيؤلف ابن خالويه كتابه: قاصد قصد الابانة في اقتصار من غير إطالة، ولا إكثار، محتذيا لمن تقدم في مقالهم، مترجما عن ألفاظهم واعتلالهم، جامعا ذلك بلفظ جزل، ومقام واضح سهل، ليقرب على مريده، ويسهل على مستفيده [2] .
فابن خالويه بهذه السهولة التى تحاشاها أبو على في كتابه الحجة يحقق للمريدين الفوائد، ويسهل على المستفيدين المراد.
ذلك هو الخيط الدقيق الذى أشرت إليه من قبل، وهو على أية حال لا يدل دلالة صريحة على أن ابن خالويه قد نافس أبا على في الاحتجاج. نعم! وهو يشير إلى ذلك في خفاء.
* * * هذا ومن المهم أن أشير إلى أن كتب التراجم لا تذكر لابن خالويه كتابا باسم الحجة، والذى ذكره ابن الأنبارى في نزهة الألباء من كتب القرآن والقراءات:
«كتاب البديع في القراءات» وكتابا في «إعراب سور من القرآن» وكتاب البديع معروف أخرجه المستشرق (ج. برجستراسر) ، وهو في شواذ القراءات. وكتاب الاعراب يسميه ياقوت: إعراب ثلاثين سورة [3] ، على أن كتاب الحجة لابن خالويه مخطوط تحت رقم (19523ب) دار الكتب، وهذه النسخة هى التى اعتمدت
(1) انظر المحتسب لابن جنى.
(2) الحجة لابن خالويه 3.
(3) معجم الأدباء: 9/ 204.