فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 212

وكذلك يموت أبو حنيفة في سجنه مقهورا، ويجلد مالك حتى تنخلع عظامه، أما الشافعى فجىء به مقيدا من مكة إلى بغداد مع بضعة عشر متهما آخر، قتلوا كلهم لأنهم خارجون على الخلافة فلما قدم الشافعى ليلقى المصير نفسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته، قال: أين رحمة الله؟ قال: عندك يا أمير المؤمنين، فعفا عنه، ولولا هذا العفو الطارئ لضاع الشافعى وفقهه ومذهبه، ومن يدرى؟ ربما كان في أصحابه القتلى من يضارعه علما، لولا أن عاجلته المنية من سيف غاشم عنيد. * إن طبيعة الإسلام فرضت نفسها على الأمة فجعلتها تقبل على العلم وتوقر العلماء، وفرضت نفسها على الدولة فجعلتها تحذر جانب الأمة، وتحاول استرضاءهم بالرغبة أو استكراههم بالرهبة، ولم يستطع الاستبداد السياسى أن يضع العوائق في مجرى الثقافة نفسها فاستبحرت وضربت بسهم وافر في كل ناحية. إلا أن أثر الاستبداد ظهر في تثبيط الهمم عن علاج المسائل المتعلقة بأصل الحكم، ومن ثم اشتغل المسلمون بألوان من الترف العقلى وعكفوا على البحوث الفلسفية والنظرية والفرعية مما لا يضير الحكام المجرمين أن تؤلف فيه المجلدات الضخام. واكتفى العلماء بدراسة آراء الإسلام في الحكم والمال، وتلاوة الآيات والأحاديث التى تكشف عن خلل الأوضاع القائمة. ويبدو أن مصارع الخارجين على الدولة وذهاب محاولاتهم دون جدوى جعل جمهور العلماء يقبل"عمليا"الأمر الواقع ويرفض"نظريا"الاعتراف به، فهو يقاطع الحكام ويجالس العامة، ويقرر وجهة نظر الدين في الفساد والمفسدين، ويؤلف عصبيات شعبية للكشف عن الحق وحمايته، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من الولاة المتغلبين، أى أن الدين كان في صف المعارضة أما الحكم نفسه فقد سار على سياسة أخرى رسمتها طبيعة الاستبداد بالعباد والبلاد!!. *198

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت