فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 212

وهوان الشأن، وقد قرن الله هذه الأخطار جميعا في سياق واحد، عند تأديب الناس وتهديدهم لو شردوا:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون". ويبدو أن الهرج الذى عانته بلاد الإسلام جاء من الناحية الأخيرة، فلم يخسف بالأمة من فوق أو من تحت، وإنما حاق بها الضر من تفرق الكلمة، وعلة هذه الفرقة القاتلة من فساد الحكم على أيدى المستبدين الذين انفردوا به ليلا طويلا. ويستطيع الأخيار من المسلمين أن يرددوا في عصور شتى ما قاله الطغرائى في أيامه وهو ينال من حكامه، وينوه بخلقه وإقدامه:

ما كنت أوثر أن يمتد بى زمنى ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل

تقدمتنى أناس كان شأوهم ... وراء خطوى، لو امشى على مهل

ولو حشدنا الشواهد على هذا المعنى لضاق بنا المقام. ونعتقد أننا وضعنا أيدينا على مصدر الخطر حين حصرنا الاستعمار الداخلى في دائرة حمراء تومئ إلى شناعة أثره في حاضر الناس ومستقبلهم. إنه دابة الأرض التى أكلت قوائم الملك الإسلامى فخر صريعا لليدين وللفم!. ومن عهد النبوة حذر صاحب الرسالة أمته من هذا المصير، لقد علم أن الإسلام سينساح في الأرض لا يرده سلطان ولا تحجزه قوة، وأن المسلمين سيظلون آمادا طويلة أقوى وأغنى أمم الأرض، ولن تهدم ملكهم إلا معاولهم هم أنفسهم. حين تؤول أمورهم إلى الطغاة والبغاة. عن ثوبان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها 185"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت