وفى الوقت الذى أذن فيه للحكومة أن تقابل بالاسترقاق من يستعبدون رعيتها، جعل النص في معاملة الأسرى محددا لمثله العليا فحسسب:"حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ..". إن هذا الأسير الكافر، في حرب أوضحنا بواعثها، كان رجلا ظالما، أو كان أداة لتنفيذ ظلم. استغل الحرية المتاحة له في الطغيان على حقوق الآخرين، فمن العدالة أن يسلب قسطا من حرية لم يحسن الانتفاع بها. كذلك من العدالة إذا عوقب على جرمه السابق أن يرفع عنه العقاب فور ظهور أمارة على توبته واستقامته، وأن تهيأ فرص كثيرة لإعادة حريته إليه، ولو لم يقض المدة الكافية لتطهره من آثامه الأولى! فلعل ما يتكشف لعينيه من فضائل القوم الذين حاربهم قبلا يرد إليه صوابه العازب، ويعيده إنسانا كاملا، ولا يجور ولا يجار عليه، وهذا ما صنعه الإسلام، والقواعد التى شرعها في معاملة الرقيق تجمع بين العدالة والرحمة، وفى الوقت الذى يفك فيه عقدتهم ويستعد لإطلاق سراحهم- تمشيا مع مثله الفاضلة- يقدر أن ذلك قد يقتضى فترة ما، فهو يوصى بجعل هذه الفترة اللازمة، عهدا من البر والمواساة والإحسان يختم بالحرية التى ينشدها الشرع لكل إنسان. وفى سبيل هذه الحرية جعل ثمن الزكاة المفروضة يرصد سنويا لتحرير العبيد، كما جعل العتق كفارة في عقوبات القتل الخطأ، والظهار، والأيمان وإفطار رمضان، ثم دعا دعوة عامة تحس فيها عواطف المناشدة والرجاء كيما يطلق سراح أولئك المناكيد ابتغاء وجه الله. وقبل أن يستمتع هؤلاء القوم بحرياتهم المفقودة، سنت لهم قوانين لا تعرف في أرقى معسكرات الأسرى، لو سمع بها أسرى الحروب العامة فى"أوروبا"لسال لها لعابهم وحسدوا القدامى عليها: 130