والجواب: هذا السؤال قد ضلت في الإجابة عليه العقول وتحيرت فيه الفهوم وتخبطت فيه مدارك الفلاسفة والحكماء والعلماء والعباقرة من ذوي الفهم الثاقب والذكاء الخارق فضلًا عن غوغاء الناس، لا يستثني من ذلك إلا العقول التي استنارت بوحي الله واهتدت بهداه واتبعت رسله فهي التي عرفت الإجابة عن هذا السؤال بالتلقي عن الله وعن رسله، ومن هنا نعلم علم اليقين أن العقل لا يمكن أن ينفرد بعلم العقيدة لأنه علم يرتبط بالغيبيات، والغيبيات إذا نطق فيها العقل بعيدًا عن الوحي ضل وتاه وارتبك وتخبط تخبطًا عجيبًا وتصور تصورًا غريبًا [1] ، ذلك لأن العقل ماهو إلا أداة لتصور المعلومات التي تصل إليه من طريق الحواس ومتى تجاوز ما يحيط به في الأرض وقع في متاهات كبيرة وانحدر إلى مزالق خطيرة قال تعالى: {أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [2] .
نعم بإمكان العقل أن يستدل من خلال مشاهداته ومسموعاته أن ربه وخالقه ورازقه هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ذو القدرة العظيمة والحكمة البالغة والعلم الشامل والألطاف الخفية، قال تعالى: {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم، إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون. أولم يرو أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} [3] .
(1) إن من يقرأ في كتب الملل والنحل يرى أمورًا غريبة وتصورات عجيبة تثير الاستغراب ويستبعد الإنسان أن يصدقها العقل.
(2) سورة الأنعام آية: 122
(3) سورة السجدة آية 26ـ27.