فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 129

الفضل والشهرة والذكر الحسن بين الناس، وتودد الفضلاء إلى زيارته، واقتنى كتبا نفيسة، وكان لا يرى للعيش لذة ولا للحياة قيمة إلا في سبيل مطالعة الكتب، فلا يمل منها ليلا ولا نهارا، وربما قطع معظم الليل في ذلك، حتى كانت أدوات كتابته وما يطالعه جنب فراشه. وكان لا يجارى في المحاورات العلمية لقوة استحضاره أطراف المسائل، ومن جاراه في مسألة لا يثبت معه ويحار من سرعة أجوبته ومناقشته وكثيرا ما كان يعترض أثناء مطالعته بعض المباحث المدوّنة في الحواشي والشروح، ويقرر وجه المناقشة فيها ذكاء وفهما ثاقبا.

وبالجملة فمزاياه الجليلة وشيمه الجميلة أجل من أن يحصيها قلمي، ويمليها على طرس فمي. ولم يزل على طريقته الحسنة وفضائلها المستحسنة إلى أن فجعنا بجوهره الخطير، ويا له من مصاب كبير، استهوى المدامع، ودق الأضالع، وذلك صباح يوم الجمعة ثالث عشر شوال سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف فجأة. وكان يومئذ أدى صلاة الفجر إماما بجامع السنانية ثم قدم إلى داره. وجئت على أثره من جامع العنابة وجلست معه نتجاذب أطراف الأحاديث حتى هيء لنا شراب الشاي فتناولناه معا على صفاء وسرور، ولم أزل أسقيه حتى قال لي: اكتفيت، وجلس بعد شربه حصة ثم قام فتبعه ابني ضياء الدين وله عامان ونيف، فقلت له وهو واقف: ما أولع ابني بك يا سيدي، فالتفت إليه ولاطفه ثم خرج إلى صحن الدار، فتبعته ابنتي، ثم دخل إلى محل آخر واستند إلى حائطه وفاضت نفسه الكريمة، فلم نشعر ونحن في محلنا إلا وابنتي مسرعة فزعة دخلت إلينا قائلة جدّي لا أدري ما أصابه.

ولما صافح الأسماع منا ... تقطعت الضمائر والقلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت