وقال آخر: بل قول ذي الرّمة: [الطويل]
أقامت به حتى ذوى العود في الثّرى ... وساق الثّريّا في ملاءته الفجر
قال أبو العباس: هذا لعمري نهاية الخبرة وذو الرمة أبدع الناس استعارة، وأبرعهم عبارة، إلّا أنّ الصواب حتى «ذوى العود والثرى» لأن العود لا يذوي ما دام في الثرى، وقد أنكره على ذي الرمة غير ابن المعتز. قال أبو عمرو بن العلاء: كانت يدي في يد الفرزدق فأنشدته هذا البيت، فقال: أرشدك أم أدعك؟ قال: فقلت: بل أرشدني، فقال:
إنّ العود لا يذوي في الثّرى، والصواب: «حتى ذوى العود والثرى» .
قال الصولي: وكأنه نبّه على ذي الرمة فقلت: بل قوله: [الطويل]
ولمّا رأيت الليل والشمس حيّة ... حياة الذي يقضي حشاشة نازع
وقال أبو العباس: اقتدحت زندك يا أبا بكر فأورى [1] ، هذا بارع جدا، وقد سبقه إلى هذه الاستعارة جرير حيث يقول: [الكامل]
تحيي الروامس ربعها وتجدّه ... بعد البلى فتميته الأمطار [2]
وهذا بيت جمع الاستعارة والمطابقة لأنه جاء بالإحياء والإماتة، والبلى والجدّة، ولكن ذو الرمة قد استوفى ذكر الإحياء والإماتة في موضع آخر فأحسن، وهو قوله [3] :
[الطويل]
ونشوان من طول النّعاس كأنه ... بحبلين في مشطونة يترجّح [4]
إذا مات فوق الرّحل أحييت روحه ... بذكرك والعيس المراسل جنّح
فما أحد من الجماعة انصرف من ذلك المجلس إلّا وقد غمره من بحر أبي العباس ما غاض معه معينه، ولم ينهض حتى زوّدناه من برّه ولطفه نهاية ما اتّسعت له حاله.
وقال ابن المعتز: [الكامل]
لمّا رأيت الحبّ يفضحني ... ونمت عليّ شواهد الصّبّ
ألقيت غيرك في ظنونهم ... وسترت وجه الحبّ بالحبّ
(1) أورى الزّند: أخرج ناره. محيط المحيط (ورى) .
(2) الروامس: الرياح الدوافن للآثار. محيط المحيط (رمس) .
(3) البيت الأول في لسان العرب، مادة (شطن) .
(4) في لسان العرب: «يتطوّح» بدل «يترجّح» .