ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطّرح ... تطيّر جار أو تفاؤل صاحب
فبقي ابن الرومي باهتا ينظر إليه ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومي لا يتطيّر أبدا من هذا ولا من غيره، وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطيّر، فأمسك، وعجب من جودة الشعر ومعناه، وحسن مأتاه، فقلت له: ليتنا كتبناه؟ قال: اكتبه فقد حفظته، وأملاه عليّ.
ومن شدّة حذره، وعظيم تطيّره، قوله لأبي العباس بن ثوابة، وقد ندبه إلى الخروج إليه وركوب دجلة: [الطويل]
حضضت على حطبي لناري فلا تدع ... لك الخير، تحذيري شرور المحاطب
ومن يلق ما لاقيت في كلّ مجتنى ... من الشّوك يزهد في الثمار الأطايب
أذاقتني الأسفار ما كرّه الغنى ... إليّ، وأغراني برفض المطالب
ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
فصبري على الإقتار أيسر مطلبا ... عليّ من التّغرير بعد التّجارب
لقيت من البرّ التّباريح بعد ما ... لقيت من البحر ابيضاض الذّوائب
سقيت على ريّ به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحبّ المجادب
ولم أبغها، بل ساقها لمكيدتي ... تلاعب دهر جدّ بي كالملاعب
أبى أن يغيث الأرض حتى إذا رمت ... برحلي أتاها بالغيوث السّواكب
سقى الأرض من أجلي فأضحت مزلّة ... تمايل صاحيها تمايل شارب
فملت إلى خان مرثّ بناؤه ... مميل غريق الثّوب لهفان لاغب [1]
فما زلت في جوع وخوف ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب [2]
يؤرّقني سقف كأنيّ تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب [3]
يظلّ إذا ما الطيّن أثقل متنه ... تصرّ نواحيه صرير الجنادب
وكم خان سفر خان فانقضّ فوقهم ... كما انقضّ صقر الدّجن فوق الأرانب
وما زال ضاحي البرّ يضرب أهله ... بسوطي عذاب جامد بعد ذائب
فإن فاته قطر وثلج فإنّه ... رهين بساف تارة وبحاصب
فذاك بلاء البرّ عندي شاتيا ... وكم لي من صيف به ذي مثالب
(1) اللاغب: اسم فاعل لغب أي أعيا أشدّ الإعياء. القاموس المحيط (لغب) .
(2) السهر الواصب: الدائم. القاموس المحيط (وصب) .
(3) الوكف: النّطع وهو بساط من الأديم. القاموس المحيط (وكف) و (نطع) .