فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 993

فقال: إنما الشاعر المطبوع كالبحر مرة يقذف صدفه، ومرة يقذف جيفه [1] .

وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن عليّ بن العباس الرومي من أقرب متناول فقال:

وكشفه بأوضح عبارة في صفته لجارية أبي الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميع صفاتها وكان قد اقترح عليه وصفها: [المنسرح]

وصفت فيها الّذي هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق

إلّا بأخبارك التي رفعت ... منك إلينا عن ظبية البرق [2]

حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلّا عن مخبر يقق [3]

وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد، واحتجّ بتفضيله على البياض، حتى أغلق فيه الباب بعده، ومنع أن يقصد فيه أحد قصده، إلّا كان مقصّر السهم عن غرض الإحسان. وقد نبّه علي بن عبد الله بن العباس [المسيب على] فضائلها، وأجاد التشبيه، وكشف عن وجوه الإبداع، وضروب الاختراع.

وقد مدح الناس السواد والسّود فأكثروا فمن جيد ما قالوا فيه قول أبي حفص الشطرنجي: [السريع]

أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده

لا شكّ إذا لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده

فأخذ ابن الرومي هذا المعنى، وأضاف إليه أشياء أخر توسعا واقتدارا، فقال:

يذكرك المسك والغوالي والسّكّ ... ذوات النسيم والعبق [4]

وهذه الأشياء وإن كانت ناقصة عن المسك، فهي ممدوحة بالطيب، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه فأما زيادته على جميع من تعاطى مدح السواد فقوله: [المنسرح]

سوداء لم تنتسب إلى برص الشّ ... قر ولا كلفة ولا بهق [5]

(1) الجيف: جمع جيفة وهي جثّة الميت المنتنة. محيط المحيط (جيف) . يقول: إن الشاعر كالبحر، له سقطات لأن الإجادة المطلقة فوق طاقة البشر.

(2) البرق: جمع برقة وهي أرض غليظة مختلطة بحجارة ورمل. لسان العرب (برق) .

(3) اليقق: الشديد البياض. لسان العرب (يقق) .

(4) السّكّ: نوع من الطّيب. لسان العرب (سكك) .

(5) البرص: بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج. الكلفة: حمرة كدرة تعلو الوجه، وقيل: لون بين السواد والحمرة. البهق: بياض رقيق في ظاهر البشرة. محيط المحيط (برص) و (كلف) و (بهق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت