فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 993

الحجة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرّق بين الشّكّ واليقين، وهو من سلطان الرّسل الذي انقاد به المصعب [1] ، واستقام الأصيد [2] ، وبهت الكافر، وسلّم الممتنع، حتى أشب [3] الحقّ بأنصاره، وخلا ربع الباطل من عمّاره، وخير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقّيه، وموجزا ليخفّ على اللفظ تعاطيه.

وفضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول، وظاهر غير خفيّ يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن المتكلّفين، وتحيّر الكذابين، وهو المبلّغ الذي لا يملّ، والجديد الذي لا يخلق [4] ، والحقّ الصادع، والنور الساطع، والماحي لظلم الضلال، ولسان الصّدق النافي للكذب، ونذير قدّمته الرحمة قبل الهلاك، وناعي الدنيا المنقولة، وبشير الآخرة المخلّدة، ومفتاح الخير، ودليل الجنة، إن أوجز كان كافيا، وإن أكثر كان مذكّرا، وإن أومأ كان مقنعا، وإن أطال كان مفهما، وإن أمر فناصحا، وإن حكم فعادلا، وإن أخبر فصادقا، وإن بيّن فشافيا، سهل على الفهم، صعب على المتعاطي [5] ، قريب المأخذ، بعيد المرام، سراج تستضيء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، بحر العلوم، وديوان الحكم، وجوهر الكلم، ونزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين على محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، فخصم الباطل، وصدع بالحق، وتألف من النّفرة، وأنفذ من الهلكة، فوصل الله له النصر، وأضرع [6] به خدّ الكفر.

قال علي بن عيسى الرماني [7] : البلاغة ما حطّ التكلّف عنه [8] ، وبني على التبيين، وكانت الفائدة أغلب عليه من القافية، بأن جمع مع ذلك سهولة المخرج، مع قرب المتناول وعذوبة اللفظ، مع رشاقة المعنى وأن يكون حسن الابتداء كحسن الانتهاء،

(1) المصعب: الفحل الصعب القياد. لسان العرب (صعب) .

(2) الأصيد: المائل العنق كبرا. لسان العرب (صيد) .

(3) أشب: تجمّع وقوي. لسان العرب (أشب) .

(4) يخلق: يبلى. لسان العرب (خلق) .

(5) المتعاطي: المتكلّف مجاراته. لسان العرب (عطا) .

(6) أضرع: أذلّ. لسان العرب (ضرع) .

(7) علي بن عيسى الرماني: معتزلي مفسّر. ومن كبار النحاة. توفي سنة 384هـ. ترجمته في بغية الوعاة (ص 344) ووفيات الأعيان (ج 3ص 299) وتاريخ بغداد (ج 12ص 16) وإنباه الرواة (ج 2 ص 294) والأعلام (ج 4ص 317) .

(8) ضمير «عنه» يعود إلى الكلام البليغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت