فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 137

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرف زوجاته حق المعرفة حيث روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنِّى لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّى رَاضِيَةً،وَإِذَا كُنْتِ عَلَىَّ غَضْبَى » . قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ « أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّى رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ،وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ » . قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ،مَا أَهْجُرُ إِلاَّ اسْمَكَ [1] .

وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري كلاما لطيفا هذا نصه:"قَوْله ( إِنِّي لَأَعْلَم إِذَا كُنْت عَنِّي رَاضِيَة إِلَخْ ) يُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِقْرَاء الرَّجُل حَال الْمَرْأَة مِنْ فِعْلهَا وَقَوْلهَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَعَدَمه،وَالْحُكْم بِمَا تَقْتَضِيه الْقَرَائِن فِي ذَلِكَ،لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - جَزَمَ بِرِضَا عَائِشَة وَغَضَبهَا بِمُجَرَّدِ ذِكْرهَا لِاسْمِهِ وَسُكُوتهَا،فَبَنَى عَلَى تَغَيُّر الْحَالَتَيْنِ مِنْ الذِّكْر وَالسُّكُوت تَغَيُّر الْحَالَتَيْنِ مِنْ الرِّضَا وَالْغَضَب،وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ شَيْء آخَر أَصْرَح مِنْهُ لَكِنْ لَمْ يُنْقَل وَقَوْل عَائِشَة"أَجَل يَا رَسُول اللَّه مَا أَهْجُر إِلَّا اِسْمك"قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَصْر لَطِيف جِدًّا لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي حَال الْغَضَب الَّذِي يَسْلُب الْعَاقِل اِخْتِيَاره لَا تَتَغَيَّر عَنْ الْمَحَبَّة الْمُسْتَقِرَّة فَهُوَ كَمَا قِيلَ: إِنِّي لِأَمْنَحك الصُّدُود وَإِنَّنِي قَسَمًا إِلَيْك مَعَ الصُّدُود لَأَمْيَل"

وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر: مُرَادهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُك التَّسْمِيَة اللَّفْظِيَّة وَلَا يَتْرُك قَلْبهَا التَّعَلُّق بِذَاتِهِ الْكَرِيمَة مَوَدَّة وَمَحَبَّة ا هـ . وَفِي اِخْتِيَار عَائِشَة ذِكْر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام دُون غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء دَلَالَة عَلَى مَزِيد فِطْنَتهَا،لِأَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى النَّاس بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآن،فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا بُدّ مِنْ هَجْر الِاسْم الشَّرِيف أَبْدَلَتْهُ بِمَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ حَتَّى لَا تَخْرُج عَنْ دَائِرَة التَّعَلُّق فِي الْجُمْلَة .

فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا في هذا الحديث المبارك الاهتمام بطبيعة المرأة ومعرفة أحوالها والتصرف معها في كل حالة بما تقتضيها وهذا أدعى إلى عدم الخلط ومعرفة الأحوال ومن ثم يصل باستقراء أحوال زوجته إلى الحكم الصحيح عليها فيعاملها بما تقتضيه القرائن.

(1) - البخاري برقم ( 5228 ) ومسلم برقم (6438 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت