يعرف الناس بديع الزمان سعيد النورسي رجلا متعدد المواهب، فهو العالم الرباني المصلح والمفكر، والمرشد الحكيم المربي والمنظر والمتكلم الألمعيّ والمفسر، ولكنهم قلما يعرفونه أديبا، وقلما عني الدارسون، حتى في تركيا نفسها، ببديع الزمان النورسي أديبا. وعندما وجه إليّ مركز رسائل النور عام 1995 الدعوة للمشاركة في المؤتمر العالمي لبديع الزمان النورسي، كان بين يديّ عدد من رسائله التي اقتنيتها متفرقة عبر عقود، وكان من بينها مختارات من المثنوي العربي النوري بعناية الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ، وما كنت أعرف أن كليات رسائل النور قد صدرت كاملة ومترجمة بعناية الأستاذ إحسان قاسم الصالحي. وكعادتي، ما أردت أن أخوض فيما لا أحسن، وعزمت على أن ألتمس بعض الجوانب الأدبية من تراث النورسي،مما هو تحت يدي. وأسعفني في ذلك مختارات المثنوي، ففيها من الأدبية والشعرية شيء كثير، ثم إن بديع الزمان صنف المثنوي بالعربية، مما يجعل البحث في شعرية النص وأدبيته أمرًا مشروعا، ولم يكن الأمر هينا لو أراد المرء تلمس تلك الأدبية فيما هو مترجم من رسائله، مع الإقرار بالقدرة الفائقة للأستاذ إحسان قاسم الصالحي في الترجمة التي قد لا يحس معها الإنسان بأن شخصا ثالثا يقوم فعلا بينك وبين النورسي، وهو المترجم. وسجلت بعض الملاحظات،أسعفتني في أن أبعث عنوان بحثي إلى الإخوة القيمين على مركز رسائل النور في استانبول، فما كان من الأستاذ الفاضل إحسان قاسم إلا أن اتصل بي، مستفسرا عمّا إذا كنت أملك المثنوي، فلما أخبرته أنني لا أملك غير مختارات منه، عجّل حفظه الله تعالى بإرسال نسخة كاملة من المثنوي العربي النوري إليّ، فما كان مني إلا أن أنكب على قراءته في نهم، وإذا بي أعثر على نصّ أدبي رفيع، وكنز بياني بليغ لا يكاد ينضب، وإذا همّتي تزداد يقينا على أنني أمام أديب متميز، وأن أدب النورسي بحاجة إلى مصنفات للتعريف به. وقد منّ الله تعالى