الجواب: انه استغراق في التوحيد، وتوحيد ذوقي لا ينحصر في نظر العقل والفكر؛ إذ إن شدة الاستغراق في التوحيد - بعد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - يُفضي إلى وحدة القدرة، أي: لا مؤثر في الكون إلاّ الله. ثم يؤدي هذا إلى وحدة الإدارة، وهذا يسوق إلى"وحدة الشهود"ثم إلى"وحدة الوجود". ومن بعدها رؤية وجود واحد ثم إلى رؤية موجود واحد... فشطحات علماء الصوفية التي هي من قبيل المتشابهات لا تقام دليلًا على هذا المذهب. فالذي لم تتخلص روحهُ من تأثير الأسباب ولم تتجرد من دائرتها إذا ما تكلم عن وحدة الوجود يتجاوز حدّه. والذين يتكلمون به إنما حصروا نظرهم في"واجب الوجود"حصرًا بحيث تجرّدوا عن الممكنات فاصبحوا لا يرون إلاّ وجودًا واحدًا بل موجودًا واحدًا.. نعم، ان رؤية النتيجة ضمن الدليل، أي رؤية الصانع الجليل ضمن موجودات العالم شئ ذوقي ولا يمكن بلوغها إلاّ باستغراق ذوقي. فإدراك حقيقة جريان التجليات الإلهية في جداول الأكوان، وسريان الفيوضات الإلهية في ملكوتية الأشياء، ورؤية تجلي الأسماء والصفات في مرايا الموجودات.. أقول: إن إدراك هذه الحقائق أمرٌ ذوقي. إلاّ أن أصحاب مذهب وحدة الوجود لضيق الألفاظ عبّروا عن هذه الحقيقة بالألوهية السارية والحياة السارية في الموجودات، وحينما حصر أهل الفكر والعقل هذه الحقائق الذوقية في مقاييس فكرية وعقلية جعلوها مصدر كثير من الأوهام والأفكار الباطلة.
ثم إن ما لدى الفلاسفة الماديين ومن وهنت عقيدتهم من المفكرين من مذهب"وحدة الوجود"وما لدى الأولياء منه بونًا شاسعًا وفروقًا كثيرة بل انهما متضادان ونقيضان. فهناك خمسة فروق بينهما: