وسطحي النظر يرى شارات العلم وسماته على المخلوق اكثر ظهورًا وأشدّ وضوحًا، من آيات القدرة وعلاماتها، فالقدرة لا تزال مرتبطة في أذهان الناس بالخوارق والمعجزات والكرامات، وبما هو غير عادي ولا مألوف عمومًا، لذلك لا يتعمق الإنسان في المألوفات في بحثه عن دلائل القدرة، فالمألوفات التي يألفها الإنسان ويتعايش معها لا تثير اهتمامه عادةً لأنه يتوهم معرفته بها، فليس كل مألوف معروفًا أو معلومًا كما يقول"النورسي" (1) فقد يألف الإنسان أشياء كثيرة طوال حياته ثم يموت وهو لا يعرف من مكنوناتها شيئًا ذا بال فمرايا القدرة لا تعد ولا تحصى، فهي في المألوفات كما هي في الخوارق والمعجزات، وهي في الماء والهواء كما هي في الغيبيات، وهي في الهوية كما هي الماهية، والنورسي يشير إلى هذه الحقيقة قائلًا:"إن للقدرة مرايا كثيرة جدًا، كل منها أشفّ وألطف من الأخرى. وهي تتنوع، من الماء إلى الهواء، ومنه إلى الأثير، ومنه إلى عالم المثال، ومنه إلى عالم الأرواح بل إلى الزمان وإلى الفكر."
ففي مرآة الهواء تصبح الكلمة الواحدة ملايين الكلمات. فإن قلم القدرة يستنسخ سرّ هذا التناسل بشكل عجيب. إن الانعكاس إما يحوي الهوية أو يحوي الهوية مع الماهية. إن تماثيل المادة - أي صورها - الكثيفة عبارة عن أموات متحركة، أما تماثيل الأرواح النورانية في مراياها فحيّة مرتبطة بالحياة، إن لم تكن عينُها فليست غيرَها." (2) "
(1) "اعلم ! إن اكثر معلومات البشر الأرضية ومسلّماته، بل بديهياته مبنية على الألفة، وهي مفروشة على الجهل المركب. ففي الأساس فسادٌ أيّ فساد. فلهذا السر توجِّه الآياتُ أنظارَ البشر إلى العاديات المألوفة، وتثقب نجوم القرآن حجاب الألفة ويأخذ بأذن البشر ويميل رأسه، ويريه ما تحت الألفة من خوارق العادات في عين العاديات". المثنوي العربي النوري - ص: 324
(2) المكتوبات - نوى الحقائق ص 603