وكما أن التفاوت في درجة الحياة وسعتها وعنفوانها موجود بين إنسان وآخر، فإن هذا التفاوت نفسه موجود كذلك بين مكونات الماهية الإنسانية، فحياة العقل عند البعض قد لا تكون على المستوى نفسه من حياة القلب، وحياة الجسم بعظمه وعصبه ولحمه ودمه قد تكون في الدرجة دون حياة الروح، والعكس صحيح أيضًا، وقد تموت النفس برعوناتها وشهواتها وحسّياتها بينما يظل الروح في أعلى درجات الحياة، والأمر نفسه ممكن بين جميع لطائف الماهية الإنسانية التي تتجاذبها على الدوام دواعي الموت والحياة. ومن هنا جاء الاختلاف في النفوس والعقول والأمزجة والسلوك بين بني البشر. فظاهرة الموت والحياة وتعاقبهما المشهودة أمامنا والمكرورة على مدى الدهور والأزمان، تشير إلى حي هو فوق الموت والحياة، بل هو خالق الموت والحياة. وبيده زمامهما، وبأمره يتعاقبان، وبعلمه يعملان ولأرادته يمتثلان، وفي هذا الصدد يقول"النورسي":"كما أن الحياة التي تُظهر تجلي الجمال الرباني هي برهان الأحدية، بل هي نوع من تجلي الوحدة، فالموت الذي يُظهر تجلي الجلال الإلهي هو الآخر برهان الواحدية."
فمثلًا: إن الفقاعات والزبد والحباب المواجهة للشمس، والتي تنساب متألقة على سطح نهرٍ عظيم، والمواد الشفافة المتلمعة على سطح الأرض، شواهدٌ على وجود تلك الشمس، وذلك بإراءتها صورة الشمس وعكسها لضوئها. فدوامُ تجلي الشمس ببهاء مع غروب تلك القطرات وزوال لمعان المواد، واستمرار ذلك التجلي دون نقص على القطرات والمواد الشفافة المقبلة مجددًا، لهي شهادة قاطعة على ان تلك الشُميسات المثالية، وتلك الأضواء المنعكسة، وتلك الأنوار المشاهدة التي تنطفئ وتضئ وتتغير وتتبدل متجدّدةً، إنما هي تجليات شمسٍ باقية، دائمةٍ، عالية، واحدةٍ لا زوال لها. فتلك القطرات اللماعة إذن بظهورها وبمجيئها تدل على وجود الشمس وعلى دوامها ووحدتها.
وعلى غرار هذا المثال (ولله المثل الأعلى) نجد أن: