ولضعفٍ في قوة الأبصار، وَصَدأٍ مُزْمنٍ في المرآة، وكلالٍ في الذهن على استبانه حقائق الأشياء، يتلقى الإنسان المنكود الصور الهابطة عليه من سماء الحق مشوشةً ومشوهةً لا يتبين حقيقتها ولا يدرك رمزها، لأنه لم يكن في قلبه قبل ذلك حبُّ لها ورغبة لها، واستشراف نحوها، ومن هنا تنشأ الانحرافات وتتجذر الكفريات، ويكبر الجحود، ويتفاقم الإنكار، وتصبح الماهية الإنسانية التي هي في الأصل"مرآة جامعة للأسماء الإلهية الحسنى كلها" (1) عدسةً مُشَتتةً لهذه الأسماء وطامة لأنوارها وجلواتها في مرايا الموجودات
ـ 5 ـ
فالأسماء الإلهية الحسنى - الجلالية والجمالية - المتجلية بأنوراها على الموجودات تؤثر في كل موجود بحسب استعداداته الخلقية، وتحيله إلى طاقة حركية مؤثرة بالموجودات الأخرى المحيطة به فهو في انتقال دائم وصيرورة مستمرة من الأدنى إلى الأعلى حتى يستوي على عرش الكمال الذي ينشده ويندفع إليه كُلُّ موجود سليقةً وفطرةً، والماهية الإنسانية هي الأخرى ومن حيث كونها جامعة للأسماء الإلهية الحسنى فإنها في تجدد مستمر وسعي حثيث للارتقاء بالنفس نحو الكمال الإيماني، والارتقاء بها نحو الرضى الرحماني الذي هو بغية كل مؤمن صادق الإيمان.
فالأسماء الإلهية لا بد لها من الظهور بجمالها"أي تستدعي إظهار نقوشها، أي تقتضي مشاهدة تجليات جمالها في مرايا نقوشها وإشهادها. بمعنى أن تلك الأسماء تقضى بتجدد كتاب الكون، أي تجدد الموجودات آنًا فآنًا، باستمرار دون توقف، أي أن تلك الأسماء تقتضي كتابة الموجودات مجددًا وببلاغة حكيمة ومغزى دقيق بحيث يظهر كل مكتوب نفسه أمام نظر الخالق جل وعلا وأمام أنظار المطالعين من الموجودات المالكة للشعور ويدفعهم لقراءته". (2)
(1) المكتوبات ص 50
(2) المكتوبات ص 109 - 110