الصفحة 928 من 3036

وعلى ضوء هذا الذي ذكرناه آنفًا، فإن المعاني والأفكار تظلُّ سابحةً في أجواء"التجريد"حتى تلتقي ما يناسبها من الهياكل الصورية والبيانية فترتديها وتتشخص فيها، وعلى ضوء هذا كذلك نفهم الحكمة في تمثل جبريل عليه السلام في صورة الصحابي"دحية"عند التقائه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وندرك لماذا تمثل بشرًا سويًا لمريم عليها السلام، والإشارة في"البراق"الذي امتطاه رسولنا الكريم في إسرائه، والرمز في قدحَي اللبن والخمر المقدّمين له، والإيماء المقصود في شق الصدر، وقول السماء والأرض: (أتينا طائعين) عندما ناداهما ربُّ العزّة: ( إئتيا طوعًا أو كرهًا) وحنين الجذع الذي كان يخطب إليه - صلى الله عليه وسلم -، والسماء والأرض لماذا وكيف تبكيان لموت الصالحين، والصلاة غير المستوفية للشروط كيف تُطوى وتُرمى في وجه صاحبها وهي تقول: ( ضيّعك الله مثلما ضيعتني) واشتياق الجنة إلى أوليائها وهم بعدُ في الارض، واشتياق النار إلى أهلها وهم بعدُ أحياء يرزقون.. إلى غير ذلك من المعاني المتشكلة صورًا وأمثالًا، يزخر بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. واختلاف المرايا - في صقالتها واستدارتها ونقائها وتوجهها - بين إنسان وآخر هو الذي يحدد قدرات هذه المرايا على استقبال نوعيات الصور وكيفياتها ودرجات علوها أو هبوطها في سلم الملكوتات العقلية والوجدانية، وهو الذي يسبب اختلاف التشكلات النفسية من حيث الجدب أو الخصب بين إنسان وآخر، لذا صار"لكل منا دنياه الخاصة من هذه الدنيا العمومية ولكل منا عالمه الخاص به"كما يقول النورسي (1) حتى كأن كل إنسان جزيرة مستقلة بذاتها في محيط بشري متلاطم الموج.

(1) المكتوبات ص 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت