الصفحة 926 من 3036

يُرْزَقون، وبها يتراحمون، وبها يسعون في مناكب الأرض، وبها يَعْلَونَ في الفضاء ويغوصون في البحار، وبها يَعْمُرُوْنَ أرضهم ويقيمون دولهم، وينشؤون حضاراتهم.

وفي تشكيله للوجدان الديني المرهف نرى"النورسي"يخوض في مسائل إيمانية عالية المرتقى، ويرتفع ليلمس سماوات من المعاني المحجوبة خلف ضباب الفكر وغبش الوجدان.

ولكي يرتفع بقارئه إلى تلك الآفاق الذهنية والوجدانية الضاربة في العلو يجد نفسه مضطرًا إلى ضرب الأمثال والاستعانة بها في تقريب أفكاره إلى الآخرين. والإفادة من إضاءاتها في الكشف عن جوانب مهمة من أسرار الألوهية والربوبية، ومغزى الأقربية، وقدسية الأسماء الحسنى وتأثيراتها في الكون والحياة والإنسان, وصنعها في الخلق والإيجاد، وانعكاساتها على الأبدية والخلود، وتفسير معاني القيومية، واستمرارية المحو والإثبات، والسلب والإيجاب، وغيرها من قضايا الإيمان المحتاجة إلى المزيد من الكشف ورفع الأستار، والمزيد من الفهم والعلم، والرجوع من كلّ ذلك بحصيلة من المعرفة الإيمانية الحصينة المستقرة ليلتقي عليها"طلاب النور"ويلوذوا بها من الشتات الذهني والروحي.

ومن اكثر هذه الأمثال التي استعان بها"النورسي"في رسائله لهذا الغرض هو"مثال الصورة والمرآة"فأسعفه كثيرًا وساعده على إضاءة كمٍ كبير من الغوامض والإشكالات التي تراود عقول المسلمين عامةً وعقول طلابه بخاصة.

ـ 4 ـ

و"النورسي"يرى:"أنَّ كلاَّ منا إنما هو مرآة كبيرة واسعة" (1) قابلة لاستقبال الصور التي يبثها الكون والحياة من حولنا وإننا لننفعل بما تنقله إلينا هذه الصور من رسائل، ونسعى إلى فهمها، والكشف عمَّا ترمز إليه من المعاني والأفكار، وعمّا تنطوي عليه من أسرار الحسن والجمال.

ومن حيث كوننا مرايا يظلُّ الواحد مِنَّا يتلقى طوال حياته سيولًا هائلةً متتابعة لا تتوقف من الصور، وتزدحم بها ذاكرته، ويتخم بها عقله.

(1) النورسي _ المكتوبات ص 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت