فسفر المرايا - وأعني بها هنا قلوب العباد - إلى نور النور والربّ المعبود، ليس فيه حركة كما يقول الغزالي:"لا من جانب المسافِر ولا من جانب المسافَر إليه، فإنهما معًا، أوَ ما سمعت قوله تعالى وهو أصدق القائلين: ( ونحن أقرب أليه من حبل الوريد) ، بل مَثل الطالب والمطلوب مثل صورة حاضرة مع ، مرآة ولكن ليست تتجلّى في المرآة لصدأ في وجه المرآة، فمتى صقلتها تجلت فيه الصورة لا بارتحال الصورة إلى المرآة، ولا بحركة المرآة إلى الصورة ولكن بزوال الحجاب، فإن الله تعالى متجلٍ بذاته لا يختفي إذْ يستحيل اختفاء النور وبالنور يظهر كُلُّ خفاء والله نور السموات والأرض"إلى أن يقول:"فما عليك إلاّ أن تنقي عن عين القلب كدورته، وتقوي حدقته، فإذا هو فيه كالصورة في المرآة، حتى إذا غاصّكَ في تجليه بادرتَ وقلتَ إنه فيه، وقد تدّرع باللاهوت ناسوتي، إلى أن يثبتك الله بالقول الثابت فتعرف أنّ الصورة ليست في المرآة بل تجلّتْ لها، ولو حلّتْ في مرآة ارتحلتْ عن غيرها وهيهات فإنه يتجلى لجملة من العارفين دفعةً واحدة، نعم يتجلّى في بعض المرايا أصح وأظهر وأقوم وأوضح، وفي بعضها أخفى وأميل إلى الاعوجاج عن الاستقامة، وذلك بحسب صفاء المرآة وصقالتها وصحة استدارتها واستقامة بسط وجهها. فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم: ( إنّ الله تعالى يتجلّى للناس عامَّة ولأبي بكر خاصة) (1) و"الأقربية الإلهية"هنا إنما تعني أقربيته تعالى بعلمه المحيط الشامل المطلق بخلقه ومصنوعاته، - كما قاله المفسرون- غير أنّ الأمر سيَّان عند الغزالي ومن بعده"النورسي"لأنّ العلم نور كذلك، والنور جمال، والجمال يسعى إلى مرآة يرى فيها جماله ويريه للناظرين، فأسماؤه الحسنى وصفاته العليا إنْ هي إلا أنوار جماله تعالى المتجلية على الخلائق بها يحيون، وبها يعلمون، وبها"
(1) الغزالي - جواهر القرآن ص 12 _ 13 الطبعة الثالثة- منشورات دار الآفاق - بيروت 1978م.