الصفحة 92 من 3036

وإذا كان هذا المنهج النورسي واضحا في معالمه، سليما في أصوله، قويا في أدلته الشرعية التي يستمد منها، فإن بديع الزمان النورسي لم تكتحل عينه برؤية هذه الوحدة الفكرية على هذا النحو الذي تصوره واجتهد من أجله، ولم تطمئن نفسه بمعاينة هذا المنهج في الاختلاف يتحقق بين أهل العلم في عصره، وإنما رحل رحمة الله عليه إلى الدار الآخرة، وفارق الدنيا والخلاف على أشده بين طوائف المسلمين، والعداء مستحكم حتى بين المنتسبين إلى العلم والفقه. وقد اجتهد وسعه من أجل أن يتحقق ذلك، حتى آخر أيام حياته، ثم رحل وهو يتألم ويتوجع، ولكن ليس من علة في جسده- رغم أن جسده قد تعب وكلّ من شدة ما تحمله رحمة الله عليه- وإنما يتوجع من سوء حال المسلمين وما حل بهم من العجز والضعف، وشدة الاختلاف والتدابر. لكن أمله لم ينقطع حتى وهو يحس بدنو أجله، وإنما جعل يستشرف المستقبل بعد موته، ليلقي العهدة والأمانة على من يأتي بعده. وإذا كان أمله لم يتحقق في حياته ولم يأكل من عمل يده، فإن عزاءه أن يأكل المسلمون بعد موته، ويقطفوا ثمرات يانعة طيبة من الشجرة التي غرس فسيلتها في حياته ورعاها مدة عمره. وقد عرف رحمة الله عليه أن أحوال عصره وأحداث زمانه ستحول بينه وبين غاياته النبيلة التي اجتهد من أجلها، فلئلا ينال ذلك من عزمه أو يضعف من جده وقوته، جعل غايته أن يصله - وهو راقد في قبره- شيء من الجزاء المعنوي، يؤنسه في وحشة قبره، في الوقت الذي ينعم أهل الدنيا من المسلمين بأزهار ربيع الإسلام، وقد حسنت أحوالهم واجتمعت كلمتهم وقويت شوكتهم.فمصائب زمانه وآلام أوانه وخطوب إبانه… كل ذلك يهون عليه رحمة الله عليه إذا كان المسلمون سينعمون بعزة الإسلام بعد موته. فلنستمع إليه وهو يحاور نفسه، بين شدة آلامه وحسرته على أحوال المسلمين في زمانه، وبين أمانيه وعزائه الذي يرجوه في قبره:"ماذا أفعل؟ إن قدري دفعني إلى هذه الدنيا في زمان غير زماني… إنه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت