الصفحة 764 من 3036

فقال الطبيب: نحن مأمورون وليس أمامنا سوى التنفيذ، فقاموا بهدم القبر وإخراج التابوت منه. وعندما فتحوا التابوت. قلت في نفسي: لابد أن عظام أخي الحبيب قد أصبحت رمادًا. ولكن ما أن لمست الكفن حتى خيل لي انه قد توفي أمس. كان الكفن سليمًا إلا انه مصفر قليلًا من جهة الرأس. وكانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء. وعندما كشف الطبيب عن وجهه، نظرت إليه وإذا عليه شبه ابتسامة. احتضنا ذلك الأستاذ العظيم ووضعناه في التابوت الآخر. وأخذناه إلى المطار. كانت الشوارع خالية من الأهلين ومليئة بالجنود المدججين بالسلاح، حيث اعلن منع التجول في المدينة. جلست بجانب التابوت في الطائرة والحزن والأسى يملآن قلبي. والدموع تملأ عينيّ. اتجهت الطائرة إلى آفيون ومنها نقل التابوت بسيارة إسعاف إلى إسپارطة حيث دفن في مكان لا يزال مجهولًا". (1) "

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

[ولعل هذا استجابة القدر الإلهي لما تمناه الأستاذ وأوصى طلابه بألاّ يعرف موضع قبره إلاّ واحد أو إثنان منهم. ولما سألوه عن الحكمة في منعه زيارة قبره مع ما فيها من كسب للثواب أجابهم بالآتي] :

إن الغفلة الناشئة من الأنانية وحب الذات في هذا العصر العصيب تدفع الناس إلي أن يولوا اهتمامهم إلى مقام الميت وشهرته الدنيوية في أثناء زيارتهم القبور مثلما عمل الفراعنة في الزمن الغابر على تحنيط موتاهم ونصب التماثيل لهم ونشر صورهم رغبة في توجيه الأنظار إليهم، فتوجهت الأنظار إلي المعنى الإسمي - أي لذات الشخص- دون المعنى الحرفي - أي لغيره -.. وهكذا فإن قسمًا من أهل الدنيا في الوقت الحاضر يولون توجههم إلي شخص الميت نفسه والى مقامه ومنزلته الدنيوية بدلًا من الزيارة المشروعة لكسب رضاء الله ونيل الثواب الأخروي كما كانت في السابق.

(1) ش/437

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت