وكان هذا أيضا منهج الراسخين من علماء الإسلام مثل الشافعي وابن قتيبة ومسلم ابن الحجاج والبخاري ، وغيرهم .
فالإمام الشافعي ( ت 204) في كتابه الرسالة كان يحكي مذاهب وأقوالا ليحللها ويرد عليها من غير نسبتها إلي أحد، وإنما يقتصر على قوله (( قال قائل كذا وكذا ) ). ومثله فعل ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن وفي مختلف الحديث، حيث يرد على أقوال الطوائف الشاذة من غير تعيين ولا تسمية، وإنما كان لا يزيد في حكاية الأقوال عن أصحابها على قوله:"ذكروا كذا وكذا"أو"قالوا كذا وكذا"فيورد حجج مخالفيه وأدلتهم كما هي ، ثم يعلق عليها ويناقشها. ومثله فعل البخاري لما قصد الرد على بعض المخالفين ممن لا يرى الحجة بخبر الآحاد أو ممن انتحل أقوالا شاذة في العقائد، فأورد في صحيحه كتاب الإيمان وكتاب خبر الآحاد وكتاب التوحيد وكتاب الاعتصام، وكلها رد على مذاهب موجودة في عصر البخاري وقبله. من ذلك مثلا قوله في إحدى تراجم صحيحه:"باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية…"قال الحافظ ابن حجر:"قال ابن طال: غرض البخاري الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج…" (1) ومثله قول البخاري:"باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين"قال ابن حجر:"أشار بذلك إلى ما في كتب الخلاف عن الشيعة أن الواجب المسح اخذا بظاهر قراءة"وأرجلكم"بالخفض…" (2) وذكر الإمام الشاطبي في الموافقات أن المنهج السليم للرد على المبتدعة هو ذكر أفكارهم و أوصافهم دون تعيينهم، قال رحمه الله: (( ولكن الغالب في هذه الفرق أن يشار إلي أوصافهم ليحذر منها ويبقى الأمر في تعيينهم مرجى كما فهمنا من الشريعة. ولعل عدم تعيينهم هو الأولى الذي ينبغي أن يلتزم ليكون سترا على الأمة كما سترت قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا بهافي الحكم الغالب
(1) -"فتح الباري"1 / 85 .
(2) - نفسه 1 / 266 .