"لقد وضع الظلم على رأسه قلنسوة العدالة ، ولبست الخيانة رداء الحمية ، وأطلق على الجهاد اسم البغي ، وعلى الأسر اسم الحرية ، وهكذا تبادلت الأضداد صورها." (1)
وينبه الأمة ويحذرها من مغبة السكوت على ذلك أو التودد إلى هؤلاء، فالتودد إليهم لا يقلل من حقدهم وكراهيتهم لدين الله ولمجتمعات المسلمين، وإنما يزيدهم ضراوة وشراسة ، يقول النورسي:
"إن التودد إلى وحش جائع لا يثير شفقته بل يثير شهيته فضلًا عن أنه يطالب بأجرة أنيابه وأظفاره." (2)
ألا فلتسمع الدنيا صوت هذا العالم الرباني ، وليت للبراق عينًا ، فترى ما تعانيه أمتنا وهي تجثو مترجية أمام الوحش الهائج ، فإذا بهذا الرجاء لا يزيده إلا إمعانًا في إهانتها ، وتحقيرًا لشعوبها ، وإبادةً لأبنائها ، ثم يطالب بالمزيد من الأجر لأنيابه التي اغتالت كرامتها ، وأراقت دماءها ، وأغرت بها القاصي والداني .
فهل بقي بعد ذلك ثوب يستر فكر محتال ؟!
وهل بقي بعد ذلك حجاب يغطي وجه دجال؟!
{ فلا تطع المكذبين ، ودّوا لو تدهن فيدهنون } (3)
خاتمة
بديع الزمان الرجل والدور التاريخي
وبعد ، فنحن أمام رجل من طراز فريد ، فهو عالم رباني يعيد للأذهان صور العلماء العمالقة ، وكأن التاريخ يستدير كهيئته الأولى ، وكأن الزمان يضاجع الألم والمعاناة فينجب أمثال هذا الرجل العظيم الذي لا يملك إلا قلبًا وهبه لله ، وعقلًا سخره لخدمة قضايا دينه وفكرته ، فعالج كأفضل ما يكون العلاج ، ووصف كأصدق ما يكون الوصف .
(1) المكتوبات ص 604
(2) المكتوبات ص 404
(3) القلم 8-9