الصفحة 679 من 3036

وإذا كانت اليقظة مطلوبة في كل وقت ، فهي في زمن الانكسارات والنكبات تصبح مطلبًا يتجاوز حدود الاحتياج ليصل إلى حد الضرورة، حيث بها وعن طريقها تستعيد الأمة وعيها الغائب ورشدها المفقود وإرادتها المسلوبة ، كما تستثير هذه اليقظة عناصر المقاومة الذاتية والكامنة في ضمير الأمة ، ومن ثم تخرج من غيبوبة الهزائم لتدخل في مرحلة الإنعاش والصحوة ، وبقدر ما يكون لدى الإنسان الفرد من يقظة ووعي بقدر ما تتشكل عقلية الأمة ، أو يتشكل العقل الجمعي فيها .

فإذا كانت المكونات الثقافية لهذا العقل حية نابضة ، تحركت الأمة في الاتجاه الصحيح ، واتسعت مساحة حضورها وتأثيرها على مستوى الجغرافيا والتاريخ أيضًا .

أما إذا كانت هذه المكونات ميتة أو فاسدة ، ولم تكن نابعة من أصالة تحصن البيئة ضد عوامل الدمج والذوبان ، فإن الأمة تفرغ من محتواها، وتغيب عن دورها ورسالتها ، ويتلهى أبناؤها بالحديث في الغث من الثقافة، والشارد الضال من الفكر، ثم يدخلون في جدليات تستنفد الجهد والطاقة، ولا تعود بفائدة تذكر في النمو الاجتماعي أو برقي في ميادين الحياة.

ومن هنا يتحتم بالضرورة حماية العقل ، عقل الفرد والمجتمع ، من الجراثيم الثقافية التي تفتك به ، وتهدد وجوده ، وتبدد جهوده ، وذلك بمطاردة الفكر الضال الذي يؤصل العجز ، ويكرس الهزيمة النفسية والفكرية ، ويشيع لدى المسلم روح الاستسلام .

ولما كان الإنسان هو العنصر المؤثر والمباشر في رفع عار الهزائم ، وذلك ببذل الجهد واستثمار الطاقة وتوظيف الإمكانيات ، فإنه والحالة هذه يكون في مقدمة الثروات ، ويكون أعلى وأغلى رأسمال يجب حمايته والمحافظة عليه والدفاع دون اختراقه عقلًا ووجدانًا ، وحمايته في هذه الحالة، إنما هي حماية للأمة ، واستبقاء لكيانها العام ، وتحصينه بالثقافة الحية والفكر الأصيل هو تحصين للأمة من التدمير الداخلي ، بإشاعة الإحباط والفشل بين جنباتها المختلفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت