وإذا كانت أمتنا تعاني من هذه الأوضاع المختلة والمعتلة في بعض دولها، فإن هذه المعاناة إنما هي الثمرة المرة لسيادة الأفكار العنصرية على ميادين الحياة فترة من الزمن ليست قصيرة ، وهي أيضًا نتيجة لمد قومي عنصري ، نشأت جذوره بعيدًا عن بيئتنا وأرضنا ، وقد طهرها الله برسالة الإسلام التي أرست قواعد الأخوة وبذرت بذور المحبة بين المسلم والمسلم وكرمت الإنسان بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو حتى معتقداته .
ولقد تنبه مجدد العصر الإمام النورسي لخطورة هذه العنصرية ، فحاربها ووجه إليها كثيرًا من سهامه الصائبة ، ودعا أتباعه ومريديه إلى نبذها وكراهيتها ، ولفت الأنظار إلى الجهات التي أثارت هذا الفكر ، وروجت له وصدرته إلى بلاد المسلمين ، فقال تحت عنوان المسألة الثالثة:
"لقد انتشر الفكر القومي وترسخ في هذا العصر. ويثير ظالموا أوروبا الماكرون بخاصة هذا الفكر بشكله السلبي في أوساط المسلمين ليمزقوهم ويسهل لهم ابتلاعهم." (1)
ثم يتابع النورسي ، وكأنه يرانا من وراء الغيب ، ويضطلع منا على ما نعانيه من تشتت وعداء لا مبرر له فيقول:
"إن التباغض والتنافر بين عناصر الإسلام وقبائله ، بسبب من الفكر القومي هلاك عظيم وخطب جسيم ، إذ أن تلك العناصر أحوج ما يكون بعضهم لبعض ، لكثرة ما وقع عليهم من ظلم وإجحاف ولشدة الفقر الذي نزل بهم ، ولسيطرة الأجانب عليهم يقصد بالأجانب الاستعمار، كل ذلك يسحقهم سحقًا لذا فإن نظر هؤلاء بعضهم لبعض نظرة العداء مصيبة كبرى لا توصف ، بل إنه جنون أشبه ما يكون بجنون من يهتم بلسع البعوض ولا يعبأ بالثعابين الماردة التي تحوم حوله." (2)
ثم يخاطب أبناء تركيا بلد الخلافة وعاصمة المسلمين ، بعدما اغتالتها الأيدي الآثمة وحركت فيها نوازع القومية والعداء لكل ما هو إسلامي وعربي حتى حروف الهجاء فيقول:
(1) المكتوبات 415
(2) المكتوبات 415