الصفحة 667 من 3036

نعم هذه الحضارة قدمت للإنسان إنجازات ضخمة في عالم المادة، وربما برمجت له كل شيء عن طريق الكمبيوتر، لكنها لم تملأ فراغه الروحي، ولم تهذب عمقه الوجداني، ولم تطبع مشاعره بالطابع الإنساني المأنوس لماذا؟ لأن هناك فرقًا شاسعًا بين عالم الأفكار وعالم الأشياء، بين الوسائل والغايات، بين الفكرة والآلة، والآلة وسيلة، والوسائل محايدة، هكذا خلقها الله سبحانه وتعالى.

وهم هناك توصلوا لهذا الفرق، ونحن هنا لا زلنا نخلط بين الشيء والفكرة، وبين مناهج العلوم التطبيقية ومناهج العلوم الإنسانية. هم هناك قد تنبهوا لهذا الفرق منذ زمن بعيد، ومن هنا كان الصراع حول الإيديولوجيات، ولم يكن صراعًا حول المنهج العلمي، فكل فريق كان ولا يزال يحاول الحصول على أسرار تكنولوجيا الطرف الآخر، ويبذل جهودًا مضنية في التصنت والتجسس على أسرار مبتكراته ومختبراته ومخترعاته، ولكنه يحارب أفكاره، ويمنعها من الانتشار في مناطق نفوذه، ويضع الأسوار والقيود عليها، ويدخل أحيانًا في حروب غير مباشرة لمنع انتشار أفكاره ، وكل منهما يرى من الضروري حماية ذاته وتأمين ثوابته ومناهجه الاجتماعية والثقافية من العبث أو الاجتياح ، والعلمانيون عندنا يرددون أن الثقافة بغير وطن وأن الفكر بغير هوية .

ثم لماذا تستبيحون لأنفسكم حق إهانة أمتكم وخيانة ثوابتها، وتنكرون على الإنسان السوي حقه في أن يتساءل عن بدايته ونهايته ومصيره ومنتهاه في ظل المنهج الذي يحكمه؟ وأين يجد الإجابة الشافية المقنعة التي تجعل من وجوده الموقت في عالم الشهادة سببًا وتمهيدًا لوجوده الدائم في عالم الخلود ، فإن فعل خيرًا جنى خيرًا ، وإن شرًا فشر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت