الصفحة 536 من 3036

والنورسي حين سعى لإثبات وجود الله كحقيقة متعينة في الظاهر، عوّل على ذلك المفهوم العميق لمعنى الإثبات الذي يخرجه عن الإطار السردي المالك للأدلة والبراهين والشواهد. ومما ينصب عادة في الكشف عن الغائب والمجهول والخفي فتحول الإثبات عنده في النهاية ليعنى الوقوف على حقيقة الموجود، أي الوقوف على ما هو أصلًا ثابت وحق وواقع بالفعل. ولا مجال لإنكاره مطلقًا. وحتى في هذا فهو لا يريده وقوفًا مجردًا يصل فيه بالإثبات إلى منتهاه وغايته. بل يريده وقوفًا قلبيًا مشعورًا به، بحيث يقول المثبت أتيقن وأعتقد، ولا يقول أعلمه وأعرفه.

بيد أن النورسي في وقوفه متحققًا من وجود الله لم تغب عنه حقيقة بديهية مفادها أن إطلاق لفظ الوجود على الله هو في حد ذاته إثبات، إذ يبلغ وجود الله درجة من القوة والشدة يعجز معها العقل الإنساني عن إدراكه فضلًا عن الإحاطة به إحاطة معرفية. وذلك لقوة ظهوره من جهة، ولمحدودية الأداة التي يُدرك بها من جهة أخرى، ومن ثم استحال إطلاق لفظ الوجود على الله تعالى كما يطلق على سائر الموجودات.

ولأجل ذلك فالنورسي لا ينظر إلى وجود الله كصفة توجب لله حكمًا ما، وإنما ينظر إليه من خلال كونه إثباتًا محضًا لذات الله، به يختص الله تعالى بحال تقع عليه فيها ما يتفرد به من أسماء وصفات، وسائر ما يتعلق بذاته العلية من أحكام واجبة له، ولائقة بحقه، فتجاوز معنى الوجود عنده في حقه تعالى يعني أمرين متلازمين:

أولهما: كونه تعالى في نفسه ثابتًا ومتحققًا

وثانيهما: كونه تعالى معلومًا ومشعورًا به.

فلا عجب بعد كل هذا أن سلك النورسي في حديثه عن وجود الله مسلكًا أقرب إلى التحقيق والتحقق منه إلى الإثبات كما هو متعارف عليه في دوائر علم الكلام، معولًا منذ البداية على استناد المخلوقات كافة في وجودها على الله تعالى ذاتًا ووجودًا، ليصل من خلال ذلك الاستناد إلى وجود الله وذاته وما يجب له من أحكام وصفات وأسماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت