الصفحة 534 من 3036

فيكفي في الإثبات مجرد الإيماءة البسيطة، أو الإشهاد والإراءة إلى المراد إثباته. أو تحديد مكانه، إلى غيرها مما يشير إليه إشارة دلالية أو وضعية. أو بمعنى آخر تعريفه وتعيينه. بينما لا يمكن إثبات النفي والعدم بمجرد التحديد والتعيين، بل لا بد من البحث والتحري والتنقب الدقيق، ليس لإظهار وبيان صدق الدعوى، وإنما للتثبت فقط من عدم وجود ما أُنكر ونفي.

ويقال الشيء نفسه وبالمستوى العرفاني ذاته على الحقائق الإيمانية والمعارف العقدية، فمثلًا:

"إذا نفي أهل استانبول جميعهم رؤيتهم للهلال في بداية رمضان المبارك. فإن إثبات إثنين من الشهود يسقط قيمة اتفاق كل ذلك الجمع الغفير". (1)

ومرد ذلك كله كما يرى النورسي (2) إلى أن المثبت ينظر إلى الأمر في نفسه. أي من حيث واقع الحال، ثم يصدر حكمه، فلا يقول أحدهم: الهلال موجود في نظري أو عندي. بل يقول: الهلال موجود فعلًا، وهو في السماء، والمشاهدون جميعًا يصدقونه في دعواه، ويؤيدونه في الأمر نفسه، مشيرين إليه، فيشترك الجميع في النظر إلى المكان نفسه، فيتساندون ويقوى حكمهم ويرسخ.

أما النافي المنكر فلا ينظر إلى الأمر في ذاته، وإنما ينظر إليه وفق عقله ونظراته، فيصدر حكمه بحسب رغباته وأهوائه فيقول: الهلال في نظري غير موجود. وباعتقادي أنه لا يوجد، وإني لا أراه، ويقول من يشاركه في النفي والإنكار الشيء نفسه، إذ كلاهما ينفي من وجهة نظره وليس من واقع الحال، وهو في كل الأحوال منفرد باعتبار أنه وحده الذي ينفى، ولذلك لا يمكنه القول أبدًا: إنه فعلًا لا يوجد.

(1) -اللمعات- النورسي ص 185

(2) -المصدر السابق ص 185،186 وأيضًا الشعاعات- النورسي ص 136

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت