يتراوح أي وجود حقيقي أو معرفي لشيء من الأشياء في العادة ما بين الإثبات والإنكار، وبين المعرفة والجهل. فأما أن يكون موجودًا يعقل فيعرف، وأما لا يعقل له وجود، فيرادف العدم في المعنى فيُنكر. ولأجل ذلك يحكم على من شأنه الوجود بالثبوت لتحققه معرفيًا بعيدًا عن ذات العارف. تحققًا لا يحتمل معه العدم بوجه من الوجوه. وإذا أُنكر فيتحول إنكاره على أقل تقدير إلى ضرب من ضروب الجهل علم به المنكر أم لم يعلم.
وبالإثبات كحكم معرفي على الموجود -أي الحكم عليه معرفيًا بالوجود- يبلغ الموجود حد التحقيق والتوكيد، عندئذ لا يزول ولا يقبل التشكيك بأي حال من الأحوال، وبالتالي يسقط من الاعتبار كل قيمة معرفية للإنكار والجحود والنفي وعدم الاعتراف، وكلما يعارض أو يناقض الحكم الثبوتي بالوجود.
فالإنكار إذن بحكم طبيعته المعرفية يدخل في مفهومه السلب، بل أن السلب جزء لا يتجزأ منه، بينما الإثبات بحكم طبيعته الإيجابية يرادف في مفهومه الكون والوجود، ولا يدخل السلب في مفهومه على الإطلاق. ومن هنا ذهب النورسي إلى القول بمدى السهولة التي نجدها في الأمر الثبوتي، ومدى الصعوبة والإشكال التي تجابهنا في النفي والإنكار. وأوضح تلك الحقيقة المعرفية بالمثال التالي:
"إذا قال أحدهم: إن هناك على سطح الأرض حديقة خارقة جدًا، ثمارها كعلب الحليب. وأنكر عليه الآخر قوله هذا قائلا: لا، لا توجد مثل هذه الحديقة. فالأول يستطيع بكل سهولة أن يثبت دعواه بمجرد إراءة مكان تلك الحديقة. أو بعض ثمارها، أما الثاني، أي المنكر فعليه أن يرى ويُري جميع أنحاء الكرة الأرضية لأجل أن يثبت نفيه. وهو عدم وجود مثل هذه الحديقة". (1)
(1) -اللمعات- النورسي ص 349