ولا يخفى على أحد أن الآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها توجب التعاون وتمنع التنازع والشقاق. والخطاب في ذلك يشمل عامة المسلمين وفيهم أهل المعاصي وكل من لا يصح تجريده من وصف الإسلام. فوجود الفساق وأهل المعاصي لا يحل بحلال أن يكون سببا للشقاق والتنازع، وكذلك وجود الاختلاف في النظر والاجتهاد. وقد عقد سعيد النورسي مبحثا في المكتوب الثاني والعشرين من المكتوبات لهذه المسألة وصدره بهذه الدساتير القرآنية فقال: (( المبحث الثاني يدعو أهل الإيمان إلى الأخوة والمحبة… بسم الله الرحمن الرحيم (( إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم ) )الحجرات -10- )) (1) . ويلاحظ أن هذه الآيات والأحاديث التي جعلها النورسي دساتير لا تخرج عن مسألتين اثنتين، هما وجوب الوحدة والتعاون ووجوب حفظ الإخلاص وصيانته. وما ذلك إلا لأن عمل العقل وعمل النفس لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، لأن العقل قد يقر بوجوب التعاون لكن عمل النفس قد يشوش على ذلك. وتربية النفس على الإخلاص هي العاصم من ذلك، يقول رحمه الله: (( فلا مناص لنا الا بذل كل ما في وسعنا من جهد وطاقة كي نظفر بالإخلاص فنحن مضطرون إليه… إذ لو لم نفز به لضاع منا بعض ما كسبناه من الخدمة المقدسة… حيث نكون ممن يشملهم النهي الإلهي وتهديده الشديد في قوله تعالى: (( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) )بما أخللنا بالإخلاص فأفسدنا السعادة الأبدية لأجل مطامع دنيوية… إرضاء لمنافع جزئية تافهة أمثال الإعجاب بالنفس والرياء، ونكون أيضا من المتجاوزين حقوق إخواننا في هذه الخدمة… )) (2) فإذا تمخض الإخلاص أثمرت دساتير الوحدة والتعاون، فينتبه العقل إليها كما قال الأستاذ النورسي: (( فلأن طلاب الحق لا يقدرون قوة الحق الكامنة في الاتفاق ولا يبالون بها ينساقون إلي نتيجة باطلة وخيمة هي الاختلاف… وطريق النجاة من هذا الواقع
(1) -"المكتوبات"ص 339.
(2) - (( اللمعات ) )ص 241 .وانظر منه أيضا ص 227.