"كما أن كون الشمس مصباحًا واحدًا لهذه الكائنات، يشير إلى أن الكائنات بأجمعها ملك لواحد، فإن كون الهواء هواءً واحدًا يسعى لخدمة الأحياء كافة، وكون النار نارًا واحدة توقد بها الحاجات كلها، وكون السحاب واحدًا يسقى الأرض، وكون الأمطار واحدة تأتي لإغاثة الأحياء كافة، وانتشار أغلب الأحياء من نباتات وحيوانات انتشارًا طليقًا في أرجاء الأرض كافة مع وحدة نوعيتها، ووحدة مسكنها، كل ذلك إشارات قاطعة وشهادات صادقة أن: تلك الموجودات ومساكنها ومواضعها، إنما هي لمالك واحد أحد". (1)
إن في واحدية مظاهر الطبيعة، وعدم واحدية نوعها وواحدية وظيفتها دلالة بيّنة على واحدية مالكها ومدبر أمورها. وذلك لأنه لو لم يكن مالكًا حقيقيًا لها، لعجز عن التصرف فيها تصرفًا حقيقيًا، ناهيك عن التصرف فيها مجتمعة.
وقياسًا على ما مضى ذكره، انتهى النورسي إلى:
"أن تداخل الأنواع المختلفة للكائنات واندماجها الشديد ببعضها قد جعل مجموعها بمثابة كلٍّ واحد لا يقبل التجزئة قطعًا من حيث الإيجاد، فالذي لا يستطيع أن ينفذ حكمه على جميع الكون لا يمكنه - من حيث الخلق والربوبية - أن يُخضع لربوبيته أي شيء فيه، حتى لو كان ذلك الشيء ذرة أو أصغر منها". (2)
أكد النورسي في كلامه السابق على حقيقتين متكاملتين:
أولاهما: إن اشتراك كافة الموجودات في منظومة حياتية واحدة، متصلة الحلقات، ومتداخلة مع بعضها البعض. قد أحالها إلى وحدة واحدة لا تفضي في كليتها المجردة إلى التبعيض أو التجزئة.
وثانيتهما: أن من لا تجرى أحكامه وسننه على هذه الكلية الجامعة للموجودات، لا يمكنه السيطرة والتحكم في أي جزء منها مهما بلغ حجمه من الصغر والضآلة.
(1) اللمعات - النورسي ، ص 542.
(2) نفس المصدر السابق.