ولكن حين هَزُلَ هذا الوهج الحضاري، وخفتت أنواره، وجفَّ زيتُ اشتعاله وكاد ينطفئ ويظلم ولم يبق ما يذكر به إلاّ ذبالة مرتعشة ترتعش على وَجلٍ، وتوشك أن تنطفئ بأضعف نفخة من بين شفتي عصرها البئيس.. نعم حين حلَّ هذا الانكفاء الروحي المأساوي بالأمة، انبعث فجأة من هذه الذُبالة الراعشة سنا برقٍ ساطع أضاء كيانها حتى الأعماق، وطلع عليها الإمام الغزالي بكتابه الجامع الأم"إحياء علوم الدين"هذا المعمار الروحي. الإيماني العتيد، الذي لجأتْ إليه الأمة واحتمت، بأفكاره مما كان يَعُجُّ به النصف الثاني من القرن الرابع من صنوف الأعداء اللاّدينيّن، من زنادقة وفسقة وشعوبيين وباطنيين وفلاسفة ملحدين.
فما أكثر أوجُهَ الشبه بين القرن الرابع والقرن الرابع عشر من حيث الانكفاء الروحي، والضمور الإيماني الذي حاق بالأمة، وما أدقّ الشبه بين تلك الأصناف والنوعيات التي كادت للإسلام في القرن الرابع والتي تكيد له اليوم.