وكان الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي أحد من تولى هذا الأمر. فكان من غاياته التي وضعها بين عينيه ووقف عمره عليها، إنقاذ الإيمان في النفوس وتجديد الدين في القلوب، وإصلاح مناهج التفكير وطرق التعليم. ولما رأى أن هذه المهمة تقف دونها عقبات كثيرة، منها فشو الاستبداد الفكري والتعصب المذهبي بين المسلمين، وشدة العدوات بسبب الحسد والجهل وضيق الأفق، وإن ذلك سيحرك العداء والخصومة ضده لا محالة، فقد اختط لنفسه منهجا دقيقا في ما قد يعرض له من الخلاف مع غيره من أهل العصبية من المسلمين أولا، ومع عامة أهل الفكر والثقافة من دعاة العلمانية ثانيا، ثم مع المخالفين في الدين من النصارى وغيرهم. وصاغ رحمة الله عليه منهجه هذا في قواعد عامة وضوابط كلية، مع التأصيل لها،ثم التزم بها في أعماله وتصرفاته. وهذه القواعد ليست مجموعة في موضع واحد من رسائله، وإنما توجد مبثوثة فيها مفرقة في أجزائها. وإن صياغته لهذه القواعد وعمله بها تعد بحق عمليا تجديديا مهما. وخلاصة منهجه هو تقريب شقة الخلاف بين المجتهدين، واعتبار الخلاف علما وصناعة لأنه يحتاج إلى تدبير وضبط وتقعيد، بل أكثر من ذلك يجعل الخلاف المنضبط البناء ضروريا لنشاط الحركة العلمية وازدهار المعرفة. ثم بعد هذا كله فإنه رحمة الله عليه وضع طرقا عملية واضحة للعمل فيما يحصل فيه الخلاف ولا يمكن فيه الاجتماع على رأي واحد.
وقد حاول هذا البحث أن يلم بجوامع ذلك، وأن يجمع ما تفرق منه في رسائل بديع الزمان النورسي، وأن يتتبع أصوله الشرعية، ويضم إلى ذلك عمله به وتطبيقاته العملية في حياة الرجل العلمية والعملية، مع مراعاة حسن التقديم والترتيب.