كما أن للغيب صورًا جَمَّةً، وتشكلات لا حصر لها في العوالم والأكوان، وفي الأحياء والجمادات.. فالقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة، ويعلمنا أنه التجلي الأعظم لصفة الكلام الإلهي المتنزل على قلب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن الصفات الإلهية الأخرى: القدرة، الحكمة، الإرادة، العلم، الحياة، لها تنزلاتها وتجلياتها على قلب الكون. فالعوالم والأكوان خاضعة ومستسلمة لهذه الشريعة الكونية التي تعمل بصمتٍ وخفاء في الأشياء. فتقدم الإنسان العلمي يتوقف على فهم دساتيرها ونواميسها، واكتشاف أسرارها كما يقول"النورسي".
لذا غدا، اهتمام المسلم بالكون بديهيًا، ورغبته في فهمه والتوغل في أسراره من أوجب واجباته الإيمانية، لأنه بمقدار ما يجهل منه يكون جهله بربه، وبمقدار ما يجهل منه يكون جهله بعقله، وعلى قدر ما يفوته من العلم به يكون مقدار ضعفه وتأخره العلمي.
فالشريعة الكونية ينبغي لها أن تنزل عقل المسلم، وتسري في حسّه جنبًا إلى جنب مع شريعة الكلام الإلهي، أي"القرآن الكريم"ومن تداخل الشريعتين ونفاذهما في بعضهما وتفاعلهما داخل عقل المسلم ووجدانه، تولد حضارة الإسلام من جديد كما يرى"النورسي".
غير أنه ومنذ دخول العالم الإسلامي شتاءه الحضاري القاسي، وعقل المسلم لم يعد عقلًا حركيًا فاعلًا، إنه في حالة استرخاء دائم، وجمود مستمر، بل هو مريض معتل لم يعد يستجيب للتحدي والاستفزاز، ولم يعد ذلك العقل المشدود دائمًا، اليقظ الصاحي أبدًا، المتهيئ في كل وقت لالتقاط إيماءات الكون، واستلام إشارات الطبيعة، ولم يعد عقلًا مغامرًا يستهويه المجهول، ويفتنه المستور، حتى لكأنه يخاف الحقائق ويستهولها، فيتحاشاها ويهرب منها، وبذا لم تعد حياتنا الإيمانية وحدها مهددة باليبس والنضوب، بل غدا إدراكنا نفسه مهددًا بالشلل والجمود.