مريضَكم الطَّعام والشراب، تخافون عليه )) .
وفي"صحيح مسلم" [1] عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال
: (( الدُّنيا سجنُ المؤمن، وجنَّة الكافر ) ).
وأمَّا السَّابقُ بالخيرات بإذن الله، فهمُ الَّذينَ فهِمُوا المرادَ مِنَ الدُّنيا، وعَمِلُوا بمقتضى ذلك، فعلموا أنَّ الله إنَّما أسكنَ عبادَه في هذه الدَّارِ، ليبلوهم أيُّهم أحسنُ
عملًا، كما قال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [2] ، وقال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [3] .
قال بعض السَّلف: أيهم أزهد في الدُّنيا، وأرغبُ في الآخرة، وجعل ما في الدُّنيا مِنَ البهجة والنُّضرة مِحنَةً، لينظر من يقف منهم معه، ويَركَن إليه، ومن ليس كذلك، كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [4] ثم بين انقطاعه ونفاده، فقال: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [5] ، فلمَّا فهِموا أنَّ هذا هو المقصود مِنَ الدُّنيا، جعلوا همَّهم التزوُّدَ منها للآخرة التي هي دارُ القرار، واكتفوا مِنَ الدُّنيا بما يكتفي به المسافرُ في سفره، كما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ما لي وللدُّنيا، إنَّما مثلي ومثل الدُّنيا كراكبٍ قالَ في
(1) الصحيح 8/210 (2956) (1) .
وأخرجه: أحمد 2/323 و485، وابن ماجه (4113) ، وابن حبان (687) و (688) من حديث أبي هريرة، به.
وهنا قد وهم ابن رجب فنسب الحديث في"صحيح مسلم"إلى: (( عبد الله بن عمرو ) )، بينما هو من رواية أبي هريرة.
أما رواية عبد الله بن عمرو فقد أخرجها: أحمد 2/197، والحاكم 4/315، وأبو نعيم في"الحلية"8/177 و185.
(2) هود: 7.
(3) الملك: 2.
(4) الكهف: 7.
(5) الكهف: 8.