أسألَكَ عن كلمةٍ [1] قد أمرضَتنِي وأسقمتني وأحزنتني، قال: (( سل عمَّا شئتَ ) )، قال: أخبرني بعملٍ يدخلُنِي الجنَّة لا أسألكَ غيرَه، وهذا يدلُّ على شدَّةِ اهتمامِ معاذٍ - رضي الله عنه - بالأعمال الصَّالحة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأعمالَ سببٌ لدخول الجنَّة، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [2] .
وأما قولُه - صلى الله عليه وسلم: (( لَنْ يدخُلَ أحدٌ منكُمُ الجنَّة بِعمَلِه ) ) [3] فالمراد - والله أعلم - أنَّ العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنَّة لولا أنَّ الله جعله - بفضله ورحمته - سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
وقوله: (( لقد سألتَ عن عظيم ) )قد سبق في شرح الحديث المشار إليه أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لِرجل سأله عن مثل هذا: (( لئن كُنتَ أوجزت المسألة، لقد أعظمتَ
وأطولتَ )) [4] ، وذلك لأنَّ دخولَ الجنَّة والنَّجاةَ من النار أمرٌ عظيم جدًا، ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسلَ الرُّسلَ، وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لرجلٍ: (( كيف تقولُ إذا
صلَّيتَ؟ )) قال: أسألُ الله الجنَّة، وأعوذُ به من النار، ولا أُحسِنُ دندنَتَك [5] ولا دندَنَة مُعاذ، يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسألة، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم:
(( حَوْلَها نُدَندِن ) ).
(1) في (ص) : (( مسألة ) ).
(2) الزخرف: 72.
(3) أخرجه: عبد الله بن المبارك في"الزهد" (1445) ، والطيالسي (2322) ، وابن الجعد (2772) ، وأحمد 2/235 و326 و390 و451 و473 و509 و514 و524، والبخاري 8/128 (6463) وفي"الأدب المفرد"، له (461) ، ومسلم 8/138
(2816) (71) ، وابن ماجه (4201) ، وأبو يعلى (1243) ، وابن حبان (348) و (660) ، والطبراني في"الأوسط" (8004) ، والقضاعي في"مسند الشهاب"
(626) ، والبيهقي 3/18 وفي"الشعب"، له (766) و (10149) من طرق عن أبي هريرة، به.
(4) أخرجه: الطبراني في"الكبير" (7284) ، وقد تقدم.
(5) الدندنة الكلام الذي لا يفهم. انظر: مختصر المختصر لابن خزيمة عقيب حديث (725) .