للطَّلاقِ أو العتاقِ، فلا بُدَّ له من النيَّةِ [1] .
وهل يقومُ مقامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غضبٍ أو سُؤالِ الطَّلاقِ ونحوِه أم لا؟
فيه خلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ [2] ، وهل يقعُ بذلك الطَّلاق في الباطن كما لو نواهُ، أم يلزمُ به في ظاهر الحُكم فقط؟ فيه خلافٌ مشهورٌ أيضًا [3] ، ولو أوقعَ الطَّلاقَ بكنايةٍ ظاهرةٍ، كالبَتَّةِ ونحوها، فهل يقعُ به الثلاثُ أو واحدةٌ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّه يقعُ به الثَّلاثُ مع إطلاقِ النِّيَّةِ، فإن نوى به ما دُونَ الثَّلاثِ، وقعَ به ما نواه، وحُكِي عنه رواية أنَّه يلزمه الثَّلاثُ أيضًا [4] .
ولو رأى امرأةً، فظنَّها امرأتهُ، فطلَّقها، ثم بانت [5] أجنبيَّة، طلقت امرأتُهُ؛ لأنَّه إنّما قصدَ طلاقَ امرأتِهِ. نصَّ على ذلك أحمدُ [6] ، وحُكِي عنه رواية أخرى: أنَّها لا تطلق [7] ، وهو قول الشَّافعيّ [8] ، ولو كان العكس، بأنْ رأى امرأةً ظنَّها أجنبيّةً، فطلَّقها، فبانت امرأتُه، فهل تطلُق؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد [9] ، والمشهور مِنْ مذهب الشَّافعيِّ وغيره أنَّها تطلق [10] .
(1) قال ابن قدامة في"المغني"8/285: (( فأما غير الصريح فلا يقع الطلاق به إلا بنية أو دلالة
حال )) .
ونقل الأثرم إذا قال: (( الحقي بأهلك وقال: لم أنو به طلاقًا ليس بشيء ظاهر هذا اعتبار
النية )) المسائل الفقهية 2/143.
وانظر: رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 2/804، والمجموع 18/172، ومنتهى الإرادات 2/260، ونيل المآرب 4/439.
(2) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في"رؤوس المسائل في الخلاف"2/804: (( إذا انضم إلى الكنايات دلالة حال لم يحتج إلى نية، وقال الشافعي: يحتاج إلى نية وإلا لم يقع، وعن أحمد نحوه دليلنا: أنَّ دلالة الحال تؤثر في الكلام والأفعال، أما الكلام فإنَّ اللفظة الواحدة تستعمل في المدح والذم، وليس ذلك إلا لدلالة الحال ) ).
وقال أيضًا في 2/805: (( ولا فرق بين أنْ يكون دلالة الحال سؤالًا أو غضبًا، وقال أبو حنيفة كمذهبنا في السؤال وفي الغضب يحتاج إلى نية إلا في ثلاث ألفاظ: اختاري، واعتدي، وأمرك بيدك، دليلنا: أنَّ هذه كناية فوقع بها الطلاق في حال الغضب بغير نية كالألفاظ الثلاث ) ).
انظر: المسائل الفقهية 2/143-144، والمغني 8/269-270، ومنتهى الإرادات 2/260، ونيل المآرب 4/439.
(3) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في"رؤوس المسائل في الخلاف"2/806: (( إذا نوى بالكنايات الخفية عددًا من الطلاق ثبت قل أو كثر، وبه قال أكثرهم، وقال أبو حنيفة: لاثبت بها إلاّ واحدة بائن، أو ثلاث، فأما طلقتان فَلا، دليلنا: إنّ من ملك إيقاع طلقة بكناية ملك إيقاع طلقتين بكناية كالعبد ) ).
(4) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في"رؤوس المسائل في الخلاف"2/804 -805
(( الكنايات الظاهرة لا يقع بها الطلاق إذا لم ينضم إليها دلالة حال أو نية، وبه قال أكثرهم، وقال مالك: يقع الطلاق، ومن أصحابه من يسمي ذلك صريحًا. دليلنا: أنه لفظ لم يرد به القُرآن للفرقة بين الزوجين، فلم يكن صريحًا كالكنايات الخفية. =
= ... والكنايات الظاهرة إذا نوى بها الطلاق كانت ثلاثًا، فأمّا الخفية فيرجع في العدد إلى ما نواه، وقال أبو حنيفة: جميع الكنايات يقع بها واحدة بائن إلا قوله: اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة فإنها رجعية، وقال مالك: الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثًا في حق المدخول بها، وواحدة في حق غير المدخول بها، وقال الشافعي: جميع ذلك يقع به واحدة رجعية إلاّ أن ينوي الثلاث فيكون ثلاثًا )) .
وانظر: المغني 8/272-273، ونيل المآرب 4/439.
(5) في (ص) : (( فبانت ) ).
(6) انظر: المغني 8/284.
(7) انظر: المغني 8/284-285.
(8) انظر: الحاوي الكبير 10/295.
(9) انظر المغني 8/284-285.
(10) ينظر في هذه المسألة: الحاوي الكبير 10/295.