فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 1199

يجتنبون الحرامَ كلَّه [1] .

وإنْ اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركُه. قال سفيان: لا يعجبني ذلك، وتركه أعجب إليَّ [2] .

وقال الزُّهريُّ ومكحول: لا بأس أنْ يؤكل منه ما لم يعرف أنَّه حرامٌ بعينه، فإنْ لم يُعلم في ماله حرام بعينه، ولكنه علم أنَّ فيه شبهةً، فلا بأس بالأكل منه، نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل.

وذهب إسحاق بنُ راهويه إلى ما رُوي عن ابن مسعود وسلمانَ وغيرِهما منَ الرُّخصة، وإلى ما رُوي عَنِ الحسنِ وابنِ سيرين في إباحةِ الأخذ مما يقضي من الرِّبا

والقمار، نقله عنه ابنُ منصور.

وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إنْ كان المالُ كثيرًا، أخرج منه قدرَ الحرام، وتصرَّف في الباقي، وإنْ كان المالُ قليلًا، اجتنبه كلَّه [3] ، وهذا لأنَّ القليل إذا تناول منه شيئًا، فإنَّه تَبْعُدُ معه السلامةُ من الحرام بخلاف الكثير، ومن أصحابنا مَنْ حَمَل ذلك على الورع دُون التَّحريم، وأباح التصرُّف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قولُ الحنفيَّة وغيرهم، وأخذ به قومٌ مِنْ أهل الورع منهم بشرٌ الحافي.

ورخَّص قومٌ من السَّلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنّه من الحرام بعينه، كما تقدَّم عن مكحولٍ والزُّهريِّ. وروي مثلُه عن الفُضيل بن عياض.

وروي في ذلك آثارٌ عن السَّلف، فصحَّ عن ابن مسعود أنَّه سُئِلَ عمَّن له جارٌ يأكلُ الرِّبا علانيةً ولا يتحرَّجُ من مالٍ خبيثٍ يأخُذُه يدعوه إلى طعامه، قال: أجيبوهُ، فإنَّما المَهْنأُ لكم والوِزْرُ عليه [4] .

(1) من ذلك ما أخرجه: البخاري 3/73 (2068) و3/80 (2096) و3/101 (2200) و3/113 (2251) و (2252) و3/151 (2386) و3/186 (2509) و3/187

(2513) ، ومسلم 5/55 (1603) (124) و (125) و (126) من حديث عائشة - رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل ورهنه درعًا من حديد.

(2) قال أحمد بن حنبل: سمعت سفيان بن عيينة يقول: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه. الورع لأحمد بن حنبل: 71 و151.

(3) انظر: المغني 4/334.

(4) أخرجه: عبد الرزاق (14675) و (14676) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت