حتى أضحت الإسكندرية بفضل متحفها ومكتبتها وعلمائها العاصمة الذهنية للعالم اليوناني في كل فرع من فروع العلم والأدب عدا الفلسفة.
وما من شك في أن مدنًا هلنستية أخرى كانت بها دور كتب، يدل على ذلك أن علماء الآثار النمساويين قد كشفوا عن بقايا مكتبة جميلة الشكل تابعة لبلدية إفسوس، ونسمع أن مكتبة عظيمة قد احترقت حين خرب سبيو Scipio مدينة قرطاجة. ولكن المكتبة الوحيدة التي يمكن موازنتها بمكتبة الإسكندرية هي مكتبة برجموم. ذلك أن ملوك هذه الدولة القصير الأجل كانوا يحسدون حسد المستنيرين ملوك البطالمة على جهودهم الثقافية، وقام يومنيز الثاني بإنشاء مكتبة برجموم، واستقدم لأبهائها طائفة من أعظم علماء اليونان. وأخذت مجموعة الكتب التي بها تنمو نموًا سريعًا، حتى بلغ عددها، حين أهداها أنطونيوس لكليوبطرة ليعوض بها ذلك الجزء من مكتبة الإسكندرية الذي احترق أثناء الثورة على قيصر عام 48 ق. م.، مائتي ألف ملف. وبفضل هذه المكتبة، وما كان لملوك برجموم من ذوق أتيكي حسن أضحت هذه المدينة في أواخر العصر الهلنستي مركزًا لأنقى مدرسة من مدارس النثر اليوناني، وهي مدرسة لم تكن ترى أن لفظًا ما يونانيًا نقيًا إلا إذا كان قد ورد في كتابات العصر القديم. ونحن مدينون إلى حماسة هؤلاء الأدباء بما بقي من روائع النثر الأتيكي.
ولقد كان هذا العصر أولًا وقبل كل شيء عصر النابهين والعلماء، عصرًا أصبحت الكتابة فيهِ مهنة لا هواية، ونشأت فيهِ جماعات وحلقات يتناسب تقدير بعضها مواهب البعض الآخر تناسبًا عكسيًا مع مربع المسافة بينها. وبدأ الشعراء يكتبون للشعراء، وأضحت كتاباتهم لذلك متكلفة مصطنعة، وأخذ العلماء يكتبون للعلماء، فكانت كتاباتهم خالية من البهجة والروعة، وشعر المفكرون أن إلهام اليونان المبدع كاد ينضب معينه، وأن أبقى خدمة يستطيعون أدائها هي أن يجمعوا، ويحفظوا، ويدونوا، ويشرحوا الأعمال الأدبية التي أنشأها