قال: قالت الإباضية: إن من أذنب ذنبًا فهو من أهل النار. وقالت المرجئة: لا تضر الذنوب مع التوحيد. أما يزيد عظيمًا جسيمًا، ويفعل الله في خلقه ما أحب. ثم انصرف. وذكر أن رجلًا من أصحاب محمد، دخل بمصر، حمامًا، عليه رجل يهودي فتناظر معه الرجل فغلبه اليهودي، لقلة معرفة الرجل. فلما حج محمد بن سحنون صحبه الرجل، فلما دخل مصر، قال له: امض بنا، أصلحك الله، الى الحمام الذي عليه اليهودي. فلما دنا خروج محمد، سبقه الرجل. وأنشب المناظرة مع اليهودي، حتى حانت الصلاة. فصلى محمد الظهر، ثم رجع معه الى المناظرة، حتى كانت العصر، فصلاها. ثم كذلك العشاء، ثم الى العشاء الآخرة، ثم الى الفجر، وقد اجتمع الناس وشاع الخبر بمصر، الفقيه المغربي يناظر اليهودي، فلما كانت صلاة الفجر انقطع اليهودي، وتبين له الحق وأسلم. فكبّر الناس وعلت أصواتهم. فخرج محمد وهو يمسح العرق عن وجهه، وقال لصاحبه: لا جزاك الله خيرًا. كاد أن يجري على يديك فتنة عظيمة. تناظر يهوديًا، وأنت بضعف، فإن ظهر عليك اليهودي، لضعفك، افتتن من قدر الله فتنته، أو كما قال. وذكر أن رجلًا عراقيًا كان يؤذي محمد بن سحنون، وينال منه. فاشتد عليه مرة الفقر، فقام بباله قصده. فنهته امرأته لما عرفت منه، فلم يقبل منها. ووصل إليه. فقال: جئت
أستعينك وأستعفيك. فقال: اذكر حاجتك. فقال: ما جئت الى هذا. قال: لابد أن تذكر حاجتك. فشكا إليه حاله. فاسترجع محمد، وقال: يا أخي بلغ منك هذا وأنا في الدنيا. وكتب له رقعة الى صيرفي بعشرين دينارًا. وقال اشتر بها لأهلك ما يحتاجون. ففعل الرجل، وأخبر الرجل بذلك ابن سحنون، فسر، ثم قال له: تقدر على السفر؟ قال: نعم. فكتب له كتبًا، وقال له: تمضي بها الى قسطنطينه. فمضى الرجل بها وأوصلها الى أصحابها. فأكرم وأضيف، وأعطي ثلاثمائة دينار. فظن الرجل أنها لمحمد بن سحنون وأنه وجهه وراءها. فلما وصل الى القيروان دفعها لمحمد بن سحنون مع أجوبة القوم. فقال محمد: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال القاسم: قال الرجل: يا سيدي، إن كان بقي شيء رجعت إليه، أقتضيه لك. فقال: ليست لي، إنما هي لك. وما عهدناهم كذلك. وجعل يستقلها. وفي حكاية أخرى، أن رجلًا من العراقيين كان يغري به، حتى قيل إن صاحبه يشتمه علانية وسرًا، إذا وجده مع الناس، فشتمه يومًا في أذنه، وهو في أصحابه. فقال: نعم وكرامة. إذا تفرّغت تقضي حاجتك. وبلغ ذلك العراقيين. فتهموا صاحبهم وأضاعوه. فشكا حاله الى بعض الصالحين. فدله على محمد بن سحنون. فسار إليه، فأصغى إليه محمد أذنه، وهو يظن أنه يجري على عادته. فقال هو: والله ما جئتك إلا نائبًا منيبًا. فأجلسه. فلما قضى مجلسه أخذ بيده، وحمله الى منزله، ودفع إليه عشرين دينارًا. ثم كتب له ثلاثين كتابًا الى ثلاثين رجلًا من أصحابه بالساحل، يسأل كل رجل أن يشتري له جارية. فوصلت إليه ثلاثون جارية. فأمر ببيع خمسة منهن. وأصلح بها حال خمس وعشرين، ودفعهن الى الرجل. وحكى المالكي قال: كانت لمحمد بن سحنون، تسعة أسرة. يريد لكل سرير سرية. وكانت له سرية يقال لها أم قدام. فكان عندها يومًا، وقد شغل في تأليف كتاب الى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته، فقال لها: أنا مشغول الساعة. فلما طال عليها، جعلت تلقمه الطعام، حتى أتت عليه. وتمادى هو على ما هو فيه الى أن أذن لصلاة الصبح. فقال: شغلنا عنك الليلة يا أم قدام. هات ما عندك. فقالت قد والله يا سيدي ألقمته لك. فقال لها: ما شعرت بذلك. قال سليمان بن سالم: قال لي محمد بن سحنون: دخلت مسجد مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بحلقة عظيمة، فيها شيخ متكئ، فجلست كما نزلت، بثياب السفر. فوجدتهم يتنازعون في مسألة من أمهات الأولاد. فأدخلت عليهم فيها حرفًا، فنبههم الشيخ عليه، فاسترد جالسًا. ثم زدت حرفًا آخر. فقال لي أين بلدك؟ فقلت: أصلحك الله، رجل حاج. فقال أين بلدك؟ قلت إفريقية. فقال ينبغي أن تكون ابن سحنون، أو ابن أخي سحنون. فقام إلي الشيخ في جميعهم فسلموا عليّ، وعتبوني إذ لم أعلمهم بنفسي. فوَالله ما خرجت من المسجد إلا والشيخ يكتب المسألة، وأنا أمليها عليه. ك وأستعفيك. فقال: اذكر حاجتك. فقال: ما جئت الى هذا.