بنا إبراهيم البيت .. و أثنى الله على هذا البيت وجعل حوله مشاعر ومشاهد عظّمها الله , فأما البيت فقد جعل الله جل وعلا فيه الحجر الأسود , وجاء في حديث عند الترمذي بسند صحيح: {نزل الحجر الأسود من السماء أشد بياضا ً من اللبن وسودته خطايا بني آدم} , وجاء في بعض الآثار: {أن الله لما أخذ العهد والميثاق على الناس , الذي قاله الله جلّ وعلا في الأعراف (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل وكنا ذريّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) )أخذ الله العهد والميثاق من الناس , فيضعه الرب تبارك وتعالى كما حُكي ألقمه الحجر , ولهذا جاء في الآثار يقوي بعضها بعضا أن الإنسان إذا مر بالحجر يقول: اللهم إيمانا ًبك وتصديقا ًبكتابك} فيكون الإنسان قد وفّى العهد الذي بينه وبين الله ..
أما مقام إبراهيم .. فهو حجر ارتقى عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ارتفع البناء , فبقيت آثار قدميه في الصخر , و الأن أنخ مطاياك حتى تعلم كيف يتعامل الصالحون مع ربهم , لما ألان إبراهيم خليل الله لله قلبه .. ألان الله جلّ وعلا الصخر تحت قدميه , وإلا لا يُعقل في السنن الطبيعية أن تظهر آثار أحد على صخر, لكنّ الذي كان يقف على الصخر عبد صالح ألان لله قلبه , فكل شيء ترومه لا يمكن أن تصل إليه إلا بالله ..
قال أبو طالب في لاميته: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل
في اللامية المشهورة التي يردُّ فيها على القرشين لما حاصروهم في شعب بني هاشم ..
من تلك الأماكن العظام:
الصفا والمروة .. حجران لجبلين غير بعيدين عن بعضهما، هذان الجبلان كانا يمكن أن يكونا كسائر الجبال , لكن لما جاءت امرأة صالحة عابدة عارفة بربها، وسعت بينهما تبحث عن رزق لمولودها وقد أسلمت أمرها لله، جعل الله جلّ وعلا ما قدمته سنة يتبعها الناس عليها وإن كان الصانع الأول والقائم بالأمر الأول امرأة. لكن لما عظمت الله عظم الله جلّ وعلا أثرها في الخالدين (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ) )
منى من الحرم ومزدلفة من الحرم وعرفة من الحل .. وبين مزدلفة وعرفة وادي يقال له وادي محَسِّر , والله جل وعلا له سنة كلما أزدلف الإنسان من أحوال الصالحين قرب من الله، وكلما رضي و أزدلف من أحوال الفاسقين بَعُدَ عن الله .. في وادي محسّر أهلك أبرهه وجيشه، فلما مرّ الطاهر جنبه صلى الله عليه وسلم , المبرأ بشريًا من كل عيب على ذلك الوادي أسرع في مشيته خوفًا من أن يصيبه ما أصابهم، وهذا من أعظم الدلائل على أن الإنسان يتوقع ويبتعد عن كل مجالس يُعصى الله جلّ وعلا فيها، ويبحث قدر الإمكان عن مواطن يطاع الربُّ تبارك وتعالى فيها .. ووادي محسّر قال أهل العلم ليس من الحل ولا من الحرم وإنما هو برزخ بين عرفة ومزدلفة ..
أما عرفة .. فقد ذكر ابن الجوزي في"تحريك الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن"أن القبضة التي قبضها الملك الذي أُوكل إليه أن يقبض قبضة من الأرض وخلق منها أبونا آدم كانت من عرفات .. قال العلماء بناء على ذلك إن أي عبد رزق فطرة يحن إلى أن يقف بعرفة , لأن النفس جبلّة تحن إلى مقامها الأول، تحن للشيء الذي خلقت منه .. فمن بقي سليم الفطرة يحن إلى أن يقف بعرفات ولو وقف في عرفات دهرًا طويلًا ..
خاتمة المطاف ما يترتب على الحج، قال صلى الله عليه وسلم: {العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن من الذنوب والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة} , والحج المبرور على الصحيح: هو الحج الذي لا مأثم فيه، ما خلصت فيه النية، وصدقت فيه السريرة، وأراد به العبد أن يكفّر به عن خطاياه، ويرتفع به مقامه عند ربه تبارك وتعالى .. قال صلى الله عليه وسلم: {من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه} ..
أما خير من حج البيت واعتمر فرسولنا صلوات الله وسلامه عليه , وذكر حجته ولو إجمالا يزيد من شوق الناس إلى الحج إلى بيت الله الحرام ..
(يُتْبَعُ)