فما ينبغي أن يربي الإنسان عليه نفسه؟!! أين قلبك في أي محفل تكون , ولهذا قال البشير النذير صلى الله عليه وسلم لمن وصّاه: {اتقي الله حيثما كنت} , فالإنسان تنقّله غالبه يكون بقدر الله , لكنه محاسب على طيات قلبه وما تحويه السرائر , وما تكنه الضمائر أين تكون.
فإذا تحقق هذا الأصل .. فاعلم أن الحج ركن عظيم , ركّب الله عليه الثواب , وسأعطيك أيها المبارك فوائد منثورة عزّ نظيرها وقلّ مثيلها , تعينك على أن تفقه شيئا ً, تزداد فقها ًفي حج بيت الله الحرام ..
أولا ً: جرت عادة الملوك أن الناس يأتونهم في فاخر الثياب , فأراد الله أن يفرّق ما بين بيته وقصور المخلوقين فتعبّدنا بأن نأتي بيته ونحن عاريين من الدنيا , حتى يُفرّق ما بين دخولنا لقصور وبيوت العباد , وبين إتياننا لبيت رب العباد جل جلاله ..
ثانيا ً: جرت عادة الملوك أنهم يرتفع عندهم قدرا ًمن أهدى إليهم شيئا ًليس في خزائنهم , من أهدى إليهم شيئا ًليس في خزائنهم يرتفع قدره عندهم , ولهذا لم يتعبّنا الله و نحن قادمين إلى بيته أن نضع في بيته شيء , لأن الله قال (( وإن من شيءٍ إلا عندنا خزائنه ) )والشيء الوحيد الذي ليس في خزائن الله الافتقار ..
* فمن قدم إلى الله بافتقار إلى الله , فقد عرف كيف يقدم على الله ..
* ومن قدم على بيت الله وهو يظن في نفسه أنه مستغنٍ مثقال حبة من خردل عن الله , فلم يعرف كيف يقدم على الله ..
* فإن منّ الله عليك في حج أو في عمرة أو في غيرها , أن تقدم إلى بيته العتيق جل جلاله , فتلبّس بافتقارك إلى الله ..
والمعنى أنك تعلم أن الله جل وعلا قال (( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ), والنجاة من النار ودخول الجنة رحمة , ونحن مفتقرون إلى هذه الرحمة , أن يرحمنا ربنا فيزحزحنا عن النار , ويدخلنا الجنة ..
نحن نقدم إلى الله جل وعلا إذا أردنا أن نقدم عليه بحق ..
* ونحن مفتقرون إلى عفوه وغفرانه ..
* نأتي إليه محمّلين بالذنوب , ونحن نجأر إليه تبارك وتعالى ونحن قادمون إلى بيته أن يحمل عنا أوزارنا ويغفر لنا ذنوبنا , ويمحو عنا خطايانا ..
* نفتقر إلى الله جل وعلا ونحن قادمون إليه من كل حول وطول وقوة نتبرأ منها , ونؤمن أن لا حول ولا طول ولا قوة لنا إلا بالله في كل أمر نريد تحقيقه ..
* فإذا قدم العبد بهذا الافتقار إلى رب العالمين جل جلاله .. عرف كيف يقدم على بيت الله جل وعلا.
أما إن قدم وهو يتلفت ميمنة وميسرة ماذا سيقول الناس , أو قدم وجد في نفسه وحشة , فأراد أن يُدخل على نفسه الأنس بمن معه من الرفاق ومن حوله من الأصحاب , أو شعر في نفسه بحاجة الناس إلى أن يمجّدوه , فخرج ليلقي درسا ً هنا ودرسا ًهناك , يقول الناس ذهب الشيخ غدا الشيخ , راح الشيخ وكلّم الشيخ ووعد الشيخ , أو قدم بأي شيء آخر من مثل هذه المطالب الدنيوية , فما عرف كيف يقدم على ربه تبارك وتعالى , فجهله بالله أضرّ به كيف يقدم على ربه جل وعلا.
ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا جعل هذا البيت لا ينال أحد أجر عمرة ٍ أو حج , حتى يجمع بين الحل والحرم في آنٍ واحد , فإن لم يجمع ما بين الحل والحرم لم يكن قادما ًوافدا ًعلى ربه ..
وحتى يجمع أي أحد بين الحل والحرم .. تنبّه كيف المسألة تكون فقهيا ً, فمن ـــــ غير مكة سيأتي من حل , لأن مكة حرم , فيكون قد جمع بين الحل والحرم , جمع من الحل ومن الميقات , فكل مواقيت مكة في الحل، وهو قد أحرم من الحل فقدم زائرا ًعلى بيته , لكن السؤال في أهل مكة وهم في حرم , كيف يجمعون بين حل ٍوحرم؟
تعبّدهم الله جلّ وعلا في الحج بأن يحرموا من مكة , لماذا؟؟ لأن من أركان الحج أن يخرجوا إلى عرفة وعرفة حل , فيصبح قد جمعوا ما بين الإحرام , بين الحل والحرم , لأن إن كانت عمرة فلا يجوز لهم أن يحرموا من مكة , لأنه لا يوجد في أركان العمرة أن يذهبوا إلى الحل , فوجب عليهم قبل الميقات أن يحرموا من الحل حتى يدخلوا مكة قادمين من خارجها وهم من أهلها , فيجمعون بين الحل والحرم , قال الله (( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) )..
(يُتْبَعُ)