ثم مر البيت بأحداث عظام .. فبنته قريش , وقصُرت بها النفقة لما اتخذت أموال من طيب أموالها , فأخرجت الحجر وجعلت له بابا ً واحد حتى تدخل من تشاء وتخرج من تشاء , وكان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم آنذاك خمسة وثلاثين عاما , ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة زوجه: {لولا أن قومك حديث عهد بكفر لهدمت الكعبة ولجعلت لها بابين فإن قومك قصرت بهم النفقة ... } وأخبرها بالأمر , ثم مرت السنون حتى جاءت خلافة عبد الله ابن الزبير على مكة فأخبرته خالته عائشة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدّم , فهدم البيت وجعل له بابين , وألصق الأبواب بالأرض , فلما تسلّط الحجاج على مكة هدم ما بناه ابن الزبير وأعاده كما كان ..
فلما جاءت خلافة أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي استشار الناس وبعث إلى مالك , فقال له مالك: {أخشى أن يكون بيت الله بعدك ألعوبة الملوك} فأبقى أبي جعفر البيت على ما بناه الحجاج بعد أن ردّ الحجاج بناء عبد الله ابن الزبير , وبقي البيت على حالته إلى يومنا هذا ..
مر بعدة بناءات عبر التاريخ الإسلامي كثيرة جدّا ً, حتى وصل إلى ما وصل إليه , وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذو السواقتين من أرض الحبشة يأتي في آخر الزمان فيهدمه ويستخرج كنوزه , فلا يحج بعد ذلك بالبيت ..
هذا الإلمام التاريخي بالبيت .. وتكلمنا قبل عن عظمة ربنا تبارك وتعالى ..
أما الجمع بين الأمرين .. فينبغي أن تعلم أي أخي .. أنه محال عليكم جميعا ً أن تحجوا في عام واحد .. والله يقول (( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) )والإنسان إذا منّ الله عليه بالعلم فإن علمه يجعله يقود الناس .. لا أن الناس يقودونه , وهذا ليس لنا ولا لغيرنا فإنه كلام عام , الذي أريد أن أصل إليه , تكثر في أوقاتنا هذه المحاضرات عن الحج , وتقام في شتى المساجد , وهذا أمر محمود من حيث الجملة , لكنه من حيث التفصيل غير محمود ..
محال أن يحج الناس كلهم .. وإنمّا يربى الناس على ماذا؟! الذي ينبغي أن يربى عليه الناس لا أين يكون جسدك في عرفات أو في غيرها , وإنما الذي ينبغي عليه أن نربي أنفسنا عليه أين يكون قلبنا , لا أين يكون جسدنا ..
فليس كل أحد يقدر على أن يحج , فبعضنا حج أعوام , ربما لو تفرّغ للأضاحي والنبي عليه الصلاة والسلام ضحّى عشر سنين , وهي من أعظم القربات ـــــــــــــــــــــــ , لكن الذي يعنينا في هذا المقام ونحن في بيت من بيوت الله أن لا نكون أسرى إعلانات ولا أسرى محاضرات , ولا أسرى خطباء , ولا يكون الخطيب والمحاضر أسرى تنظيما ًلمحاضرة , وإنما نكون جميعا ًعبيدا ًلله , فالأصل المهم العظيم أين يكون قلبك في أي مكان كنت ..
كان يوسف عليه الصلاة والسلام ابنا ًمدللًا عند أبيه وقلبه معلقا ًبالله , ثم أضحى يوسف أسيرا ً في بئر مهجورة , لا يستطيع أن يرقى إلى أعلاها , تغيّر الحال ولم يتغيّر القلب , ثم أضحى يوسف يباع بدراهم معدودة بثمن بخس , ويتناوله الباعة والمشترون , وقلبه معلق بالله , ثم نظر في أروقة القصور وأكرمته امرأة العزيز بشيء من نفسها , وبقي يوسف قلبه معلق بالله , أخرج يوسف من القصور إلى السجن فبقي قلبه معلق بالله , أخرج يوسف من السجن إلى كرسي الوزارة وبقي قلبه معلق بالله , قدم إليه إخوته من ارض كنعان يعتذرون إليه وبقي قلب يوسف معلق بالله ..
فما أثنى الله على يوسف لأنه سُجن فكم في السجن من مظلوم , وما أثنى الله على يوسف لأنه أضحى وزيرا , فكم من خلائق الله من نال كرسي الوزارة , وما أثنى الله على يوسف لأن إخوته ندموا فكم من أسرة يُظلم فيها احدهم , بل أثنى الله في نهاية المطاف وقبله وبعده على يوسف أن يوسف في سنين حياته كلها كان قلبه معلقا ًبالله بصرف النظر أين كان جسده عليه الصلاة والسلام ..
وهذا الذي ينبغي أن يربى الإنسان عليه ويعرف قدره , وأن المثوبة تكون على قدر قلبك , وربما رجل في عرفات واقف يُراد أن يقال له حج فلان .. وآخر مقعد في بيته عاكفا ً على عبادة ربه بقلبه قبل لسانه , فهذا الأخير له عند الله ما عنده من الكرامة , والأول عياذا ًبالله له من الله ما له من النقمة ..
(يُتْبَعُ)