[إن النزهة القصيرة التي قرر الدين الأميركي ومنظومته العسكرية أن يقوم بها لمدة أسبوعين في بغداد! لتحريرها من الطغيان البعثي كانت فردوسًا مزيفًا، ولم يدرك سدنة الدين الأميركي أن هناك فردوسًا آخر استطاع الذين يريدون استعادته أن يبقوا القوات الأميركية تغرق في الوحل العراقي خمس سنوات عجاف ولا يعلم إلا الله عواقب ما ستأتي به الأيام] .
فردوسنا الذي فقدناه (أخلاقًا ودينًا وعادات وترابطًا اجتماعيًا ومروءة وإنسانية) يضع الدين الأميركي بديلًا عنه فردوسًا مستعارًا، خلفه أعلى معدلات الاغتصاب في العالم وأكثر نسب الاعتداء على المحارم،وأعلى نسبة طلاق وأكبر نسبة جريمة وإدمان مخدرات وكحول وسرقة وقتل وعيادات نفسية وتفكك عائلي ومآوي عجزة وتفكك اجتماعي وخواء روحي ... ).
بعد ذلك يتحدث الكاتب عن أن الخروج من الجنة (والذي تتفق عليه أدبيات الأديان الكبرى) قد اعتراه التشويش، وقامت هوليود بتحويل الأمر إلى موضوع جنسي! بينما كان الأمر حدًا يتأدب به البشر وتتدرب به النفس فلا تجمح نحو تدمير ذاتها، ومن آدم إلى إبراهيم إلى محمد صلى الله عليهم جميعًا كانت هناك دائمًا ضوابط للتوازن وإخراج من الحضيض وإعادة توجيه نحو الفردوس الحقيقي الذي لا يجوز أن نتوه عنه.
وكما لكل دين ثوابته وأركانه فللدين الأميركي أركانه أيضًا! وهي: المادية والفردية والاقتصاد الحر والاستهلاك والعيش (الغرق) في الحاضر!
الركن الأول قديم قَوي في القرن الخامس الميلادي ثم خفت بانتشار المسيحية، وعيب الدين الأميركي أنه لا يجعل المادة مكونًا من المكونات الحضارية وفقط، بل أنه يندر قيام حضارة ارتكزت على عنصر واحد مثلما فعلت الحضارة الأميركية [وهو ماسيجعلها تتآكل ذاتيًا في المستقبل] وكل الأسئلة جوابها: المادة والطاقة، أوقل: الحواس الخمس! فهي الرؤية الأكثر تبسيطًا لأكثر الأمور تعقيدًا!، إنهم بالضبط كما يقول تعالى: (يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (الروم:30/ 7) ، ويشير الكاتب إلى أمر خطير، وهو أننا نقول أن هناك توازنًا في الإسلام بين المادة والروح، فنجعلهما قسيمين، والأمر ليس كذلك فعالم المادة جزء ظاهر من عالم غير مرئي وأرحب بكثير، وهو عالم الغيب، فلا تناقض ولا تصادم ولاتوازن ولا تعادل ولا تساوٍ، إنما جزء صغير ظاهر من جزء أعظم غير ظاهر، فهل نؤمن بالأول لأننا نراه وننكر الآخر لأننا لا نراه (ماديًا) .
مع أن ألأميركيين ليسوا هم الذين اخترعوا الفلسفة المادية لكنهم عاشوها ومضوا إلى أعمق غور فيها! وهنا برزت النفعية (البراجماتية) كفلسفة ميزت أميركة وهي أهم إضافة سلبية قدمها الأميركان إلى الحضارة عندما شطبوا كل الأديان والمذاهب والفلسفات ووضعوا معيارًا جديدًا، فكل شيء ليست له قيمة مالم تكن له نتيجة عملية على أرض واقع مؤلف من بعدين وحواس خمس فقط! [انتبه: لعلك تحمل هذا الوهم طيلة حياتك وأنت لاتدري] .
ليس المهم الصواب والخطأ، الخير والشر، الحرام والحلال، الألم والشقاء، المهم فقط المنفعة المادية الآنية! [ومن أجل ذلك فبدهي أن تباد حضارة الهنود الحمر ويقتل عشرات الملايين، وأن يستعبد ملايين الأفارقة بعد خطفهم من أفريقية، وأن تدمر هيروشسيما وناغازاكي بالقنابل النووية، وأن يكذب بقصة الأسلحة النووية العراقية سنوات بعد حصار ظالم لشعب العراق استمر عشر سنوات وحصد مئات الألوف من الأطفال الأبرياء وسبب من الويلات والنكبات مالا يحصيه عد، وبدهي أن تنزل القوات الأميركية في أفغانستان ثم العراق وغدًا دارفور وربما بعده لبنان أو سورية (لاسمح الله) وإدارتهم تكذب وتكذب وتكذب وتتحدث عن الإرهاب وهي ترمق النفط وتتحدث عن الديمقراطية وهي تريد ضمان الاستقرار لحليفتها التوراتية (إسرائيل) ، وتتحدث عن الاستقرار، وقد سفكت في شعوب الأرض كلها الملايين من الدم البرئ الحرام] .
[دهشت جدًا منذ أيام لطالب غربي أتى يسألني عن بعض الأمور في الإسلام، فقلت له: هل أنت تبحث عن الأمر لأهداف أكاديمية أم شخصية؟ فأجابني ببراءة: سأخبرك عن تفكيري حول الدين: إنني لست أتبع أي دين فإذا قال الناس أن هناك خالقًا وجنة ونارًا ويومًا آخر فأنا أقول بذلك، وإذا هم أنكروا كل ذلك فأنا معهم!! وهو مثال سافر عن البراجماتية العجيبة] .
(يُتْبَعُ)